هل الرياضيات عبارة عن مجرد مجموعة من المسائل التي تنتظر الحل، أم أنها سباق لإنتاج إجابات أسرع وأكثر عددا؟ الإجابة: "لا هذا ولا ذاك "، فالرياضيات في جوهرها هي بناء دقيق يقوم على البرهان، والفهم، والتحقق، والتراكم البطيء للمعرفة.
لذلك، حين دخل الذكاء الاصطناعي بقوة إلى هذا المجال، كان السؤال الرئيسي عن الطريقة التي يمكن للآلة من خلالها أن تغير طبيعة الرياضيات نفسها، وهذا هو جوهر التحذير الذي يحمله "إعلان لايدن حول الذكاء الاصطناعي والرياضيات "، وهو بيان علمي أصدرته مجموعة دولية من الباحثين للتنبيه إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يضع الرياضيات أمام فرصة تقنية فقط، بل أمام اختبار أخلاقي ومعرفي يمس قيمها الأساسية.
من هذا المنطلق، فإن المشكلة لا تكمن في استخدام الحاسوب أو الخوارزميات، فقد استخدم الرياضيون الأدوات الحاسوبية لعقود، لكن الجديد هو ظهور أنظمة قادرة على توليد براهين، واقتراح أفكار، وكتابة مسودات بحثية، والمساعدة في المراجعة، أحيانا بطريقة تبدو واثقة ومقنعة، حتى حين تكون النتيجة خاطئة أو غير مفهومة بالكامل، بحسب البيان، الذي يحدد 5 أخطار للذكاء الاصطناعي في الرياضيات، يعد هذا أولها.
في الرياضيات، لا تكفي النتيجة الصحيحة وحدها، فما يمنح النتيجة قيمتها هو الطريق الذي يقود إليها، والذي يبدأ من "البرهان ".
والبرهان ليس مجرد سلسلة من الرموز، بل وسيلة تجعل العقل البشري قادرا على فهم لماذا تكون العبارة صحيحة، من هنا يأتي قلق العلماء الأول، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينتج براهين تبدو متماسكة، لكنها تحتوي على أخطاء دقيقة يصعب التقاطها.
وهذه الأخطاء، إن دخلت الأدبيات العلمية دون فحص صارم بحسب الإعلان، فقد تتحول إلى أساس هش يبني عليه آخرون نتائج جديدة، وهي مشكلة تواجهها العلوم الأخرى مثل الفيزياء والكيمياء وغيرها، وبخاصة الطب، بسبب دخول الذكاء الاصطناعي إلى النشر البحثي، لكنها أكبر في الرياضيات، كون مجالها التجريبي شبه منعدم، فهي مختلفة في طبيعتها وأساليب إقرارها عن العلوم التجريبية.
💬 التعليقات (0)