الأربعاء 03 يونيو 2026 9:08 صباحًا - بتوقيت القدس
في التاريخ الإنساني، لم تكن القوة العسكرية وحدها هي التي تصنع البقاء، ولم تكن الإمبراطوريات، مهما امتلكت من أدوات البطش، قادرة على إلغاء إرادة الشعوب، فثمة حقيقة أثبتتها التجارب الكبرى عبر القرون بأن الشعوب التي تقاوم لا تموت، لأنها لا تدافع فقط عن الأرض، بل عن المعنى الإنساني للحرية والكرامة والعدالة.من فلسطين إلى أمريكا اللاتينية، ومن أفريقيا إلى آسيا، ظلّت شعوب الجنوب العالمي تخوض معاركها الطويلة ضد الاستعمار والإمبريالية وأشكال الهيمنة الاقتصادية والسياسية والثقافية، وقد حاولت القوى الكبرى إعادة تشكيل العالم وفق مصالحها، عبر الاحتلال المباشر تارة، وعبر الحصار والتجويع وإشعال الحروب والانقلابات تارة أخرى، لكن الشعوب بقيت قادرة على إنتاج أدوات مقاومتها، وعلى إعادة بناء الأمل من بين الركام.إن الشعب الفلسطيني يشكّل اليوم أحد أكثر النماذج الإنسانية حضوراً في معادلة الصمود التاريخي، فمنذ أكثر من سبعة عقود، يتعرض هذا الشعب لمحاولات الاقتلاع والتصفية والتهجير، لكنه ما زال يقاتل من أجل حقه الطبيعي في الحرية والاستقلال والعودة، ولم تستطع المجازر، ولا السجون، ولا الحصار، ولا مشاريع التطبيع، أن تكسر الوعي الوطني الفلسطيني أو تطفئ جذوة الانتماء للأرض، ففلسطين لم تعد مجرد قضية شعب يبحث عن دولة، بل أصبحت رمزاً عالمياً للمقاومة في وجه الظلم والاستعمار والعنصرية.إن حق الشعوب في تقرير مصيرها ليس منحة من أحد، ولا امتيازاً تمنحه القوى الكبرى وفق مصالحها، بل هو حق تاريخي وإنساني تكفله الشرائع الدولية وتؤكده نضالات الأمم الحرة، فالشعوب وحدها تملك الحق في اختيار أنظمتها السياسية ومساراتها الاقتصادية وخياراتها الوطنية، بعيداً عن الإملاءات الخارجية وسياسات الهيمنة والابتزاز.لقد أثبتت تجارب التاريخ أن الشعوب قد تهزم عسكرياً في مرحلة ما، لكنها لا تهزم روحياً ما دامت تمتلك الوعي بحقوقها والإيمان بعدالة قضيتها، ولهذا فشلت مشاريع الاستعمار القديمة والحديثة في القضاء على حركات التحرر الوطني، لأن فكرة الحرية أقوى من أدوات القمع، ولأن الانتماء إلى الأرض والهوية لا يمكن اقتلاعه بالقوة.ولعل أخطر ما تواجهه شعوب الجنوب العالمي اليوم، ليس فقط الاحتلال العسكري، بل منظومة الهيمنة العالمية التي تنتج الفقر والتبعية والتفاوت والاستغلال، فالإمبريالية الحديثة لم تعد تعتمد على الجيوش وحدها، بل تستخدم أدوات الاقتصاد والإعلام والعقوبات والديون ومؤسسات الهيمنة الدولية لإخضاع الشعوب وإعادة إنتاج السيطرة على مقدراتها الوطنية وثرواتها الطبيعية.وفي مواجهة ذلك، تتصاعد أهمية بناء مشروع تحرري عالمي يقوم على العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية والتكامل بين شعوب الجنوب العالمي، فالمعركة لم تعد تخص شعباً بعينه، بل أصبحت معركة إنسانية ضد نظام عالمي يحاول تحويل الإنسان إلى مجرد رقم في معادلات الربح والخسارة.إن الشعوب التي تناضل من أجل التحرر لا تدافع فقط عن حدودها الجغرافية، بل تدافع عن حق الإنسان في أن يعيش بكرامة، وأن يمتلك قراره الوطني، وأن يشارك في صناعة مستقبله بعيداً عن التبعية السياسية والاقتصادية، ومن هنا، فإن مقاومة الاحتلال والاستغلال ليست خياراً عاطفياً أو شعاراً سياسياً، بل فعل دفاع مشروع عن الوجود والهوية والعدالة.وفي قلب هذه المعركة، تقف الطبقات العاملة والفئات الشعبية بوصفها القوة الأكثر تضرراً من السياسات الإمبريالية والرأسمالية المتوحشة، فالحروب تشنّ باسم المصالح الكبرى، بينما يدفع الفقراء والعمال ثمن الدم والجوع والنزوح، ولذلك، فإن وحدة نضال العمال والفلاحين والمثقفين وقوى التحرر الوطني تشكل ركيزة أساسية في مواجهة مشاريع السيطرة والنهب.إن التضامن الأممي بين الشعوب لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة سياسية وأخلاقية، فحين تنتصر قضية عادلة في مكان ما، فإنها تمنح الأمل لكل الشعوب التي تناضل من أجل الحرية، ولهذا أصبحت فلسطين حاضرة في وجدان الملايين حول العالم، باعتبارها عنواناً لمقاومة الظلم والاستعمار والاستيطان.إن محاولات إخضاع الشعوب عبر الحصار والتجويع والعقوبات لم تنجح يوماً في كسر الإرادة الوطنية، فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تدفع أثماناً باهظة دفاعاً عن كرامتها، تصبح أكثر تمسكاً بحقوقها وأكثر قدرة على الصمود، وربما تستطيع القوة أن تفرض واقعاً مؤقتاً، لكنها لا تستطيع أن تصنع شرعية دائمة فوق أنقاض العدالة.لقد علّمنا التاريخ أن الحرية لا تمنح، بل تنتزع، وأن الشعوب التي تنكسر مؤقتاً تستطيع أن تنهض من جديد حين تؤمن بحقها في الحياة، أما الشعوب التي تقاوم، فهي وحدها القادرة على صناعة المستقبل، لأنها تكتب تاريخها بوعيها وصمودها وتضحياتها، لا بإملاءات القوى الكبرى.ولهذا، ستبقى فلسطين حيّة، وستبقى شعوب الجنوب العالمي قادرة على النهوض، لأن إرادة الشعوب أقوى من الطغيان، ولأن الشعوب التي تقاوم لا تموت.
الشعوب التي تقاوم لا تموت
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
💬 التعليقات (0)