الكاتب: د. تهاني رفعت بشارات
هناك جملةٌ صغيرةٌ في عدد كلماتها، عظيمةٌ في معناها، واسعةٌ في أثرها، قادرةٌ على أن تُسكب الطمأنينة في القلب كما ينساب الماء العذب في أرضٍ عطشى: "إنَّ الله يُخبِّئُكَ لِمَنْ يُشبِهُكَ."
وما أجمل أن يؤمن الإنسان بهذه الحقيقة وهو يعبر دروب الحياة المزدحمة بالوجوه والقلوب والقصص والتجارب. فليس كل من مرَّ بنا كُتب له البقاء، وليس كل من أحببناه كان نصيباً، وليس كل من منحناه ثقتنا كان أهلاً لها. بعض الناس يأتون ليكونوا درساً، وبعضهم يأتون ليكونوا اختباراً، وبعضهم يأتون ليكشفوا لنا أنفسنا، ثم يمضون كما تمضي الغيوم بعد أن تُنزل مطرها.
كم من إنسانٍ ظنَّ أن خسارته نهاية الطريق، فإذا بها بداية أجمل الطرق! وكم من قلبٍ انكسر حتى ظنَّ صاحبه أن الفرح لن يعود إليه، ثم جاءه من عوض الله ما أنساه وجع السنين كلها. فالله سبحانه وتعالى لا يأخذ منك شيئاً إلا ليعطيك ما هو خير، ولا يغلق باباً إلا ليفتح أبواباً لم تكن تتخيل وجودها.
إننا أحياناً نحزن لأن أشخاصاً رحلوا من حياتنا، ونبكي لأن علاقاتٍ انتهت، ونتمسّك بأشياء كُتب لها الزوال، بينما الحكمة الإلهية كانت تعمل بصمت، ترتب لنا ما هو أجمل وأطهر وأصدق. نحن ننظر إلى المشهد من زاوية ضيقة، أما الله فيرى الصورة كاملة، ويرى ما لا نرى، ويعلم ما لا نعلم.
كم من زوجين عاشا سنواتٍ طويلة تحت سقفٍ واحد، لكن الأرواح كانت متباعدة كنجمتين في سماء شاسعة، ثم افترقا بعدما اكتشف أحدهما متأخراً قيمة الآخر. وكم من إنسانٍ كان جوهرةً نادرةً لم يعرف أحد قدرها إلا بعد فوات الأوان. فبعض البشر يشبهون الألماس المدفون بين طبقات الفحم؛ لا يراه الجميع، ولا يعرف قيمته الجميع، لكن قيمته الحقيقية لا تنقص مهما تجاهله الناس.
💬 التعليقات (0)