قد يبدو الحديث عن انحسار المشروع الصهيوني في ظل الهيمنة العسكرية الإسرائيلية الحالية والغطرسة التوسعية نوعاً من التفاؤل المغاير للواقع. ومع ذلك، فإن القراءة المتأنية تشير إلى أن إسرائيل لم تنجح حتى الآن في تحويل هذه القوة العسكرية إلى مشروع سياسي قابل للاستدامة، خاصة مع استمرار الرفض الشعبي العربي العارم رغم مرور عقود على إقامة الدولة وتوقيع اتفاقيات رسمية.
إن العزلة الدولية التي تعيشها إسرائيل في تعاظم مستمر، مدفوعة ببروز جيل عالمي جديد يرفض الاحتلال ونظام الفصل العنصري الذي ينكر الحقوق المشروعة للفلسطينيين. هذا التحول العالمي يتزامن مع مراجعة شاملة للمشروع الذي نادى به ثيودور هرتزل قبل ما يزيد على قرن، والذي وعد بدولة يهودية علمانية ديمقراطية تعيش بسلام، وهو ما يواجه اليوم تحديات وجودية تعصف بجوهره.
على الصعيد الديموغرافي، لم تعد إسرائيل قادرة على ادعاء كونها دولة يهودية خالصة بالمعنى الذي بشر به المؤسسون الأوائل. ففي ظل الرفض الرسمي لحل الدولتين، يبرز واقع ديموغرافي يتفوق فيه عدد الفلسطينيين (7.5 مليون) على عدد الإسرائيليين اليهود (7.2 مليون)، مما يضع الدولة أمام مأزق أخلاقي وقانوني دولي يرفض حكم الأقلية للأغلبية ضمن إطار عنصري.
أما ركيزة العلمانية التي قامت عليها الصهيونية، فقد بدأت تتلاشى لصالح تدين سياسي متزايد النفوذ والحضور في مراكز صنع القرار. لقد سيطرت الأحزاب العلمانية على الحكم لعقود، لكن الحكومة الحالية تعكس ذروة الانسجام بين القومية المتطرفة والأجندات الدينية، مما أدى إلى انحسار القوانين الوضعية لصالح رؤى أيديولوجية دينية متشددة.
وفيما يخص الديمقراطية، فإن النموذج الذي حاولت إسرائيل تسويقه كديمقراطية انتقائية لليهود يشهد تآكلاً داخلياً غير مسبوق. المظاهرات الأسبوعية الواسعة ضد محاولات الائتلاف الحاكم التلاعب بالنظام القضائي وإضعاف الفصل بين السلطات تؤكد أن الدولة تتجه نحو مزيد من السلطوية، مما يفقدها ميزة 'الديمقراطية الوحيدة' التي كانت تتغنى بها.
الأمن والسلام، اللذان كانا الوعد الأساسي للمستوطنين، يظلان بعيدي المنال رغم التفوق العسكري الكاسح والاتفاقيات الموقعة مع دول عربية عدة. لقد أثبتت العقود الثمانية الماضية أن الإسرائيليين لن ينعموا بسلام مستدام دون التوصل إلى حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، وهو ما يتجاهله اليمين المتطرف حالياً.
💬 التعليقات (0)