أمد/ لم تكن عبارة رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام: «لبنان لن يكون صندوق بريد لرسائل إقليمية» مجرد توصيف سياسي عابر، بل بدت أقرب إلى اعتراف رسمي متأخر بأن لبنان أصبح أحد أكثر ميادين «عضّ الأصابع» اشتعالاً في الشرق الأوسط، وأن ما يجري على أرضه لم يعد مرتبطاً فقط بالصراع التقليدي بين إسرائيل و«حزب الله»، وإنما بات جزءاً من معركة أكبر تدور بين الولايات المتحدة وإيران، تتداخل فيها الضغوط العسكرية مع المفاوضات النووية، وتتحول فيها الجبهات الإقليمية إلى أوراق تفاوض مفتوحة.
فالتصعيد الإسرائيلي الأخير في جنوب لبنان، وامتداده بشكل غير مسبوق إلى مناطق شمال نهر الليطاني، لا يمكن قراءته باعتباره مجرد رد أمني محدود أو محاولة لفرض قواعد اشتباك جديدة، بل يبدو مرتبطاً بصورة مباشرة بمسار التفاوض الأمريكي الإيراني المتعثر منذ أبريل الماضي، والذي دخل في دوائر متكررة من التفاؤل المؤقت ثم التعثر المقصود، دون الاقتراب فعلياً من اتفاق نهائي.
خلال الأيام الأخيرة، وسّعت إسرائيل نطاق عملياتها العسكرية بصورة لافتة، بعدما أعلنت مناطق واسعة جنوب نهر الزهراني «مناطق قتال»، ووجهت إنذارات بالإخلاء لعشرات القرى، بالتوازي مع غارات مكثفة استهدفت الجنوب والبقاع وحتى الضاحية الجنوبية لبيروت، في تطور أعاد إلى الأذهان أجواء اجتياح 1982. كما تحدثت تقارير إسرائيلية وغربية عن استعدادات لتوسيع العملية العسكرية شمال الليطاني، وسط حديث متزايد داخل إسرائيل عن ضرورة «إعادة تشكيل الواقع الأمني» في لبنان بصورة جذرية.
إن تجاوز الضربات الإسرائيلية الأخيرة إلى العمق اللبناني يحمل رسالة مزدوجة؛ الأولى لـ«حزب الله»، والثانية لإيران مباشرة، بأن الضغط العسكري على أذرعها الإقليمية سيتصاعد كلما ارتفع سقف مطالبها في التفاوض مع واشنطن.
ومن هنا يمكن فهم توقيت تصريحات نواف سلام، لأن لبنان يدرك اليوم أكثر من أي وقت مضى أنه يستخدم كـ«ورقة ضغط» في المفاوضات الأمريكية الإيرانية، وأن التصعيد الجاري ليس منفصلاً عن حسابات واشنطن وطهران. فالإدارة الأمريكية، رغم حديثها المستمر عن التهدئة، لم تمارس حتى اللحظة ضغطاً حقيقياً لوقف التصعيد الإسرائيلي، بينما تستفيد «تل أبيب» من هامش الحركة المفتوح لتكريس وقائع ميدانية جديدة على الأرض اللبنانية.
المشهد الأكثر تعقيداً أن لبنان يعيش هذه اللحظة وهو في أضعف حالاته السياسية والاقتصادية والعسكرية أيضاً. فالدولة اللبنانية نفسها تبدو عاجزة عن فرض معادلة سيادية واضحة، بينما يظل ملف سلاح «حزب الله» معلقاً بين الداخل اللبناني والحسابات الإقليمية والدولية. والمفارقة أن إسرائيل لا تبدو متعجلة أصلاً لحسم هذا الملف، لأن بقاءه معلقاً يمنحها مبرراً دائماً لاستمرار العمليات العسكرية والضغوط السياسية.
💬 التعليقات (0)