لم تعد المسافات داخل قطاع غزة تُقاس بالكيلومترات كما كانت قبل حرب الإبادة، بل بالوقت والجهد وما تتركه الرحلات اليومية من إنهاك في أجساد الناس وأعصابهم، بعدما حوّل العدوان طرق القطاع إلى مسارات شاقة، وجعلت التنقل بين المدن رحلة طويلة ومُرهقة حتى للمشاوير القصيرة.
فالمسافة التي كانت تفصل بين دير البلح ومدينة غزة، والتي لم تكن تستغرق أكثر من 15 دقيقة في الظروف الطبيعية، باتت اليوم تحتاج إلى ساعتين أو أكثر، في مشهد يلخص حجم التحولات التي طالت تفاصيل الحياة اليومية في القطاع منذ اندلاع الحرب.
عند التاسعة والنصف صباحًا، خرج محمد حجوج، الموظف في مجمع الشفاء الطبي، من دير البلح متجهًا إلى مدينة غزة لحضور اجتماع كان مقررًا عند الحادية عشرة والنصف. الوقت بدا كافيًا نظريًا، لكن غزة التي يعرفها لم تعد كما كانت.
حين وصل إلى نقطة المواصلات، وجد المقاعد ممتلئة، ولم يتبقَّ أمامه سوى الصعود إلى المقطورة الخلفية للمركبة، المعروفة محليًا باسم “العقلاة”، بعدما بات الوصول إلى مقعد داخل مركبة عادية مسألة مرتبطة بالحظ أكثر من كونها أمرًا اعتياديًا.
يقول حجوج: “قبل العدوان كنا نطلع ونوصل بسرعة، اليوم الواحد يطلع وهو مش عارف إمتى بيوصل. القعدة نفسها متعبة، خشب وحديد وشادر ما بحمي من حر ولا برد، بس بالنهاية ما في بديل”.
وصل الرجل إلى مدينة غزة متأخرًا عن موعده، فيما بقيت أمامه رحلة أخرى داخل المدينة للوصول إلى مكان عمله.
💬 التعليقات (0)