يرى الكاتب كونستانتين ريختر أن المشكلات السياسية التي تواجهها ألمانيا اليوم، من تراجع شعبية المستشار فريدريش ميرتس وصعود حزب البديل من أجل ألمانيا إلى التوتر في العلاقات مع الولايات المتحدة، ليست سوى مظاهر لأزمة أعمق تتمثل في تراجع النموذج الاقتصادي الذي شكّل أساس الهوية الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية.
ويشير ريختر في مقال بصحيفة نيويورك تايمز إلى أن ألمانيا تعيش حالة ركود شبه مستمرة منذ نحو ثلاث سنوات، بينما تتوالى إعلانات الشركات الكبرى عن تسريح آلاف الموظفين، بما في ذلك مؤسسات عريقة مثل كومرتس بنك. وبرأيه، لا تكمن المشكلة في الأرقام الاقتصادية السلبية فقط، بل في فقدان الألمان ثقتهم بالنظام الذي كان يمنحهم شعورا بالتفوق والكفاءة مقارنة بالاقتصادات الأخرى.
يستعرض الكاتب الأسس التي قامت عليها المعجزة الاقتصادية الألمانية بعد الحرب، موضحا أنها لم تعتمد على الضرائب المنخفضة أو تقليص دور الدولة، بل على منظومة متكاملة جمعت بين التعليم التقني المتقدم، والإدارة الصناعية القائمة على الخبرة الهندسية، والبنوك التي دعمت الشركات على المدى الطويل، وعلاقات العمل التوافقية التي منحت العمال دورا مؤثرا داخل المؤسسات.
وبحسب المقال، فإن هذه المنظومة أنتجت التفوق التكنولوجي المرتبط بشعار "صنع في ألمانيا"، وأسهمت في بناء اقتصاد صناعي قوي ومستقر.
لكن مع صعود الاقتصاد الأمريكي في تسعينيات القرن الماضي، المدفوع بقوة وول ستريت وريادة الأعمال في وادي السيليكون، بدأت ألمانيا تتخلى تدريجيا عن بعض ركائز نموذجها التقليدي.
فتم فتح الشركات أمام المستثمرين الأجانب، وتراجعت الملكية المحلية طويلة الأجل، كما شهد سوق العمل إصلاحات قلّصت بعض الضمانات الاجتماعية التي كانت تميز النظام الألماني.
💬 التعليقات (0)