في كل عام تطل ذكرى هزيمة الخامس من يونيو لتفتح جراحاً لم تندمل في الذاكرة العربية، حيث لا تُستدعى النكسة بوصفها مجرد انكسار عسكري عابر، بل كفشل بنيوي وتاريخي سقطت معه أوهام الدولة الشمولية. لقد كانت اللحظة كاشفة لمدى هشاشة التصورات التي قامت عليها السلطة، حيث انهارت الجيوش والطائرات لتعري واقعاً مأزوماً بين طموحات القيادة وواقع الإنسان المسحوق.
يبرز في هذا السياق اسمان شكلا قطبي الصراع الفكري والسياسي في تلك المرحلة؛ جمال عبد الناصر كرمز للمشروع القومي، وسيد قطب الذي حذر من أن الاستبداد سيقود الأمة إلى الهاوية. هذا التباين يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة الحكم، وهل كانت الدولة تبني قوتها لمواجهة الأعداء أم لحماية السلطة من تطلعات الشعب نحو الحرية والكرامة؟
أفادت مصادر تحليلية بأن جوهر الأزمة يكمن في الاعتقاد بأن الأمة تُبنى عبر الأجهزة الأمنية والآلة الإعلامية الضخمة والهتافات الجماهيرية. هذا النهج أغفل حقيقة أن القوة الحقيقية تنبع من الإنسان الحر، وأن غياب العدالة الاجتماعية والسياسية يجعل من الدولة كياناً ضخماً من الخارج لكنه خاوٍ من الداخل أمام أول اختبار حقيقي.
وتشير القراءات التاريخية إلى أن الأنظمة التي رفعت شعارات التحرير والوحدة انتهت إلى واقع من التبعية والتمزق، حيث انشغلت الجيوش بحراسة الأنظمة بدلاً من حماية الحدود. وفي المقابل، استطاع الاحتلال الإسرائيلي تطوير قدراته التقنية والعسكرية ليصبح القوة الأكثر نفوذاً في المنطقة، مستغلاً حالة التراجع العربي الشاملة.
إن هزيمة يونيو لم تكن مجرد خسارة للأرض، بل كانت انكشافاً كاملاً لعقلية ظنت أن الإعلام يمكن أن يحل محل الحقيقة، وأن الحشد يمكن أن يعوض غياب السياسة. لقد بنيت الدولة على الخوف من الخارج والداخل، مما أدى في النهاية إلى فقدان الشرعية الأخلاقية التي هي أساس استقرار أي نظام سياسي مستدام.
وعلى الرغم من محاولات النهوض التي تلت الهزيمة، إلا أن العقل الذي صنع النكسة ظل مسيطراً، حيث استمر ربط التنمية والتحرر بجهاز الدولة المركزي لا بالمجتمع. هذا الارتباط جعل المشاريع الاقتصادية والاجتماعية تتآكل بمجرد ضعف السلطة، لأن المواطن لم يكن شريكاً حقيقياً بل مجرد أداة في ماكينة الحكم.
💬 التعليقات (0)