منذ سنوات طويلة، لم تعد أزمة حركة فتح مرتبطة فقط بتراجع شعبيتها أو بتآكل حضورها السياسي والتنظيمي، بل أصبحت أزمة معنى ودور ووظيفة تاريخية. فالحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود، ومثلت الحلم الفلسطيني في الوعي العربي والعالمي، تبدو اليوم وكأنها تتحرك داخل فراغ سياسي كبير؛ فراغ يتسع مع كل محطة جديدة، ويزداد وضوحا مع كل خطاب رسمي يعجز عن ملامسة التحولات العاصفة التي تضرب فلسطين والمنطقة والعالم.
وفي هذا السياق جاء المؤتمر الثامن لحركة فتح، بوصفه حدثا كان يفترض أن يشكل لحظة مراجعة تاريخية شاملة، لا مجرد استحقاق تنظيمي داخلي لإعادة توزيع المواقع والمقاعد. غير أن النتائج التي خرج بها المؤتمر، سواء على مستوى عضوية اللجنة المركزية أو على مستوى الخطاب السياسي الذي قدمه الرئيس محمود عباس، أوحت بأن الحركة ما تزال أسيرة المقاربة ذاتها التي أوصلتها إلى حالة الترهل والعجز الراهنة.
فعلى مستوى اللجنة المركزية، حملت الانتخابات تغيرات مهمة في الأسماء، لكنها لم تحمل تحولا جوهريا في الاتجاهات أو الرؤية السياسية. صحيح أن بعض الوجوه الجديدة التي صعدت تمثل جيلا تنظيميا مختلفا نسبيا، وأن بعض الشخصيات التي خرجت كانت ترتبط بمراحل سابقة من هيمنة الحرس القديم أو بحالة الجمود التنظيمي، إلا أن القراءة العميقة للنتائج تكشف أن ما جرى هو إعادة ترتيب داخل البنية ذاتها، لا إعادة تأسيس للمسار.
فالغالبية الساحقة من الأسماء التي صعدت إلى اللجنة المركزية تنتمي عمليا إلى المنظومة السياسية والتنظيمية القائمة، وتحمل ذات التصورات التقليدية حول السلطة والتسوية والعلاقة مع الاحتلال والمجتمع الدولي. لم تظهر في النتائج كتلة إصلاحية واضحة تمتلك مشروعا سياسيا مختلفا، ولم يبرز تيار قادر على إحداث قطيعة مع المرحلة السابقة أو تقديم مراجعة نقدية جذرية لتجربة العقود الثلاثة الماضية منذ اتفاق أوسلو.
بل إن المعيار الذي حكم جزءا كبيرا من الانتخابات بدا أقرب إلى حسابات الولاء وموازين النفوذ التنظيمي والجغرافي والشخصي، أكثر من كونه تنافسا بين برامج سياسية متمايزة. ولذلك فإن التغيير الذي حصل في تركيبة اللجنة المركزية قد يمنح الحركة بعض الحيوية الشكلية أو يخفف من احتقان داخلي هنا أو هناك، لكنه لا يبدو مؤهلا لإنتاج تحول حقيقي في بنية القرار أو طبيعة الخيارات السياسية.
الأكثر أهمية أن خروج بعض الشخصيات التقليدية لا يعني بالضرورة نهاية المرحلة التي مثلتها تلك الشخصيات؛ لأن الأزمة في فتح لم تعد أزمة أفراد بقدر ما أصبحت أزمة بنية كاملة تشكلت خلال سنوات طويلة من تداخل الحركة بالسلطة، ومن تراجع البعد التحرري لصالح منطق الإدارة اليومية والبيروقراطية السياسية والأمنية.
التعليقات (0)