الكاتب: د. مروان إميل طوباسي
في أعقاب عدوان الإبادة الإسرائيلية على غزة وما رافقها من تحولات إقليمية ودولية عميقة ، تجد الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها أمام لحظة مراجعة تاريخية شاملة . فالقضية الفلسطينية لم تعد تواجه فقط مشروع الإبادة والاقتلاع الإستعماري الإسرائيلي ، بل أيضاً محاولات إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني بما ينسجم مع ترتيبات أمنية وإقليمية جديدة ، تُعيد تعريف وظيفة السلطة الفلسطينية ودور منظمة التحرير ضمن سقوف سياسية منخفضة لا ترتقي إلى متطلبات مشروع التحرر الوطني .
وفي هذه اللحظة المفصلية ، تقف منظمة التحرير الفلسطينية، ومعها مجمل الحركة الوطنية وبالمقدمة منها "فتح" ، أمام أزمة تتجاوز البعد التنظيمي لتطال جوهر المشروع الوطني نفسه . فبعد عقود من النضال التحرري ، دخلت المنظمة في مسار ما سُمّي بالإصلاح ، لكنه بدا أقرب إلى عملية شكلية لم تمس عمق الأزمة البنيوية التي تعاني منها مؤسساتها ، ولم تنجح في استعادة دورها الكفاحي والتمثيلي الجامع .
وإذا كان القبول الفلسطيني بحل الدولتين عام ١٩٨٨ قد مثّل براغماتية سياسية مقصودة هدفت إلى تحقيق مكاسب وطنية ضمن استراتيجية تحررية ، فإن البراغماتية الراهنة تبدو بلا أفق سياسي واضح ، وتُمارَس في ظل حكومة أحتلال لا تؤمن بأي تسوية ، بل تمارس حرباً مفتوحة ضد الهوية والوجود الوطني الفلسطيني برمته . إنها براغماتية أقرب إلى التكيّف مع الوقائع المفروضة منها إلى إدارة مشروع وطني تحرري فاعل .
لقد كانت البراغماتية السياسية ، في مراحل معينة ، ضرورة تكتيكية للتعامل مع تعقيدات الواقع الدولي والإقليمي ، لكنها تحولت تدريجياً إلى خيار قائم بذاته يجري تسويقه كبديل عن الكفاح الوطني ، لا أداة في خدمته . غير أن هذا التحول لم يحقق إنجازات سياسية حقيقية ، بل فاقم الأزمة الوطنية ، وعَمق الارتهان الخارجي ، وأضعف مكانة منظمة التحرير كممثل جامع للشعب الفلسطيني في كافة اماكن تواجده .
وعلى المستوى العملي ، تهمشت مؤسسات المنظمة وأفرغَ المجلس الوطني والمركزي من دوره التمثيلي والتشريعي والرقابي ، بانتظار اجراء الانتخابات لعضويته في نوفمبر القادم وفق الاعلان الرئاسي الصادر بالخصوص . فيما انشغلت القيادة الرسمية بإدارة أزمات السلطة الوطنية اليومية أكثر من انشغالها بإعادة بناء المشروع الوطني التحرري ، وسط تصاعد الارتهان للاشتراطات الدولية والتمويل المشروط بما لذلك علاقة يقرصنة اموال المقاصة ، بما أدى إلى تقزيم الطموحات الوطنية وتحويل الثوابت الفلسطينية إلى ملفات تفاوضية قابلة للمساومة ، دون دفع اي استحقاقات سياسية بالمقابل تقدمها تلك الجهات المانحة والضاغطة التي تسعى لفرض الوصاية .
💬 التعليقات (0)