أمد/ لا بد للمعركة الحقيقية من أجل استقرار لبنان ان تبدأ من داخل النظام الإقليمي والدولي، على الرغم من الأزمات المستمرة، لان القوى الغربية وحلفاؤها من الأنظمة الوظيفية في المنطقة مستمرة في بذل جهودها لإدامة هذه الفوضى، بفضل تواطؤهم مع بعض القوى المحلية في لبنان. وفي هذا السياق، يظل لبنان محكومًا بتقلبات الصراع الإقليمي والدولي، مما يحول دون تحقيق أي تقدم ملموس نحو الاستقرار.
فلبنان الذي كان نموذجًا للتنمية في المنطقة بات اليوم ساحة نزاع حقيقية، لا يمكنه الخروج منها إلا من خلال تغييرات جذرية في طريقة إدارة الصراع الإقليمي والدولي. لأنه لا يزال يحمل في طياته إمكانيات عظيمة، كما كان في الخمسينات والستينات، حين كان يعتبر نموذجًا للتنمية والازدهار في المنطقة. ومع أنه قد مر بتجارب مريرة منذ ذلك الحين، فإن المستقبل قد يحمل فرصًا جديدة إذا ما تم تعزيز التوجهات الإصلاحية الداخلية. فمن خلال ميثاق جديد، يمكن للبنان أن يعود إلى طريقه الصحيح كداعم للاستقرار في الشرق الأوسط. إن هذه اللحظة التاريخية التي نعيشها اليوم قد تكون الفرصة التي يحتاجها لبنان لاستعادة دوره الريادي، ولكن يجب أن تكون هذه العودة قائمة على أساس تغييرات جذرية داخلية أولا تتجاوز الطائفية والمزايا السياسية الضيقة.
واقع المنطقة، بما في ذلك لبنان، يؤشر بانها لن تشهد استقرارًا حقيقيًا إلا عندما تنتهي الهيمنة الغربية، التي ما كان لها ان تسود لولا النزاعات والصراعات التي أسست لها في المنطقة، عبر احتلالها وسطوتها ونفوذها واقامتها لدولة إسرائيل على حساب اهل فلسطين وضد رغبات شعوب المنطقة بأكملها. وبذلك فقط ستبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الشرق الأوسط، يبرز فيها دور القوى الإقليمية الاصيلة وفي ظل نظام دولي جديد متعدد الأقطاب.
هذه اللحظة التاريخية قد تكون قريبة، خاصة في ظل التغييرات الجيوسياسية التي تحدث اليوم في العالم، والتحولات المتزايدة في موازين القوى الإقليمية والدولية، والتي ستتشكل على ضوء نتائج الحروب في أوكرانيا والشرق الاوسط والمستمرة منذ أربع سنوات. ولا بد من التأكيد هنا، ان فشل أمريكا وإسرائيل في تحقيق أي من أهدافها (كما أعلنتها سواء كان ذلك في غزة او لبنان وإيران،) رغم الحجم غير المسبوق للتدمير والقتل، ستفرض على القوى الدولية ان تغير أولوياتها في المنطقة.
ان النظام الدولي الذي سيتشكل بعد الأزمات الحالية سيعتمد بشكل كبير على استقرار المنطقة. ومن الممكن أن يكون لبنان نقطة محورية في هذا التغيير إذا ما استغل هذه الفرصة لتطوير علاقات جديدة مع جيرانه وقوى العالم الكبرى مما يعزز من موقفه على الساحتين الدولية والإقليمية، ومن المؤكد ان العلاقات العربية مع تركيا وإيران القوتان الاقليميتان ستتطور إيجابيا على أساس القناعات والحقائق التي ستفرزها الحرب، والتي يمكن أن تعيد تشكيل المشهد الإقليمي. وإذا ما أدركت هذه القوى أن الاستقرار في لبنان يصب في مصلحة جميع الأطراف، فإن ذلك قد يفتح الطريق لدعم المبادرات الداخلية اللبنانية.
لطالما كان لبنان في الخمسينات والستينات «متروبول الشرق الأوسط»، حيث كان يمثل نموذجًا للتنمية، الأمن، والاستقرار في منطقة تتسم بالتوترات والصراعات. كان لبنان في تلك الفترة واحة للحرية والنمو الاقتصادي، مع مستوى تعليم ورعاية صحية ونمو حضري يعد من الأفضل في المنطقة. ولكن، مع بداية السبعينات، ومع تصاعد التوترات الإقليمية والدولية، بدأ لبنان يفقد هذه المزايا الفريدة، حيث تحولت هذه الهدنة من الاستقرار إلى حالة من الفوضى العميقة. ويعود السبب الرئيسي لهذه الحالة التي أصبح عليها لبنان إلى عدة عوامل داخلية وأخرى خارجية.
التعليقات (0)