ذكرنا في حلقة سابقة كيف حظي بن غفير بلقب «البغل» نتيجة سلوكه الشعبوي البهائمي، وتصريحاته التي تعكس شخصية نرجسية واستعراضية مريضة ومهووسة. وقد أشرنا في سياق هذه الحلقات إلى أن هذا الشخص كان أحد أكثر الشخصيات إثارة للكراهية والاشمئزاز، بل والسخرية، في الشارع الصهيوني، بسبب مواقفه العنصرية المقززة التي كانوا يفضلون ألّا يُجاهر بها، حتى تظل صورة «إسرائيل الديمقراطية» هي السائدة في العالم.
لكن نموذج بن غفير، الذي استطاعت الماكينة السياسية المسمومة في الاحتلال استيعابه في منظومتها بعد أن كان الجميع ينأى عنه، أصبح هو النموذج السائد في مختلف مؤسسات الدولة العبرية، وفي المجتمع أيضاً، بعد السابع من أكتوبر والحالة الهستيرية التي أصابت المجتمع والدولة، ولا تزال قائمة حتى اليوم.
وما إن اندلعت الحرب حتى انطلق بن غفير يصرح ويمارس عنصريته من دون قيود، بل وبتشجيع أعمى من الحكومة ومؤسسات الدولة، ووجد في السجون ساحةً، بوصفها الحلقة الأضعف، يستعرض فيها شخصيته المريضة.
لكن ذلك لم يكن مستغرباً بالنسبة إلينا في السجون، فكنا نتوقع كل سلوكه وممارساته. غير أن ما أثار دهشتنا هو انتقال تلك الروح الشيطانية الموجودة لدى بن غفير إلى شرطته وضباط مصلحة السجون. فقد تقمص قادة وضباط هذه المصلحة، طوال عقود، دور الشخصيات الليبرالية الموزونة والملتزمة بالقانون في تعاملهم مع الأسرى الفلسطينيين. لكن هذه المؤسسة الخاضعة لبن غفير، والتي كانت تحتقره وترفض سياساته وتوجهاته في بداية توليه الوزارة، أخذت بعد الحرب تتبنى سياسته وكل توجيه يصدر عنه حرفياً، بل أصبح قادتها وضباطها يتسابقون لإرضائه، ويتخذونه نموذجاً، وخاصة في إجراءات القمع والإذلال، وتصوير الاقتحامات والإهانات والتباهي بها.
وصاروا يتفننون في ابتكار الوسائل التنكيلية بحقنا، متمثلين بن غفير نموذجاً ملهماً في ممارساتهم، حيث انتقلت هذه العدوى المرضية من الوزير إلى القادة والضباط والشرطة تباعاً.
قبل الحرب، لم يكن العنف يُستخدم إلا في حالات نادرة، ولم يكن يُسمح بالشتائم، ولم تكن تُصادر الأمتعة والأغطية والملابس. ولم يحدث أن نام أحدنا على الأرض في برد الشتاء القارس، ناهيك عن التجويع والأمراض والعلاج الطبي والزيارات والمكتسبات التي كنا نحظى بها بفعل نضالاتنا الطويلة.
التعليقات (0)