كأنما لم تكتفِ الأرض بما تجرّعته من نيران الحرب وضراوة القصف على مدار أكثر من عامين، لتأتي السماء وتسكب أول فصول الشتاء غرقاً وبرداً فوق أجسادٍ أنهكها النزوح الطويل والتهجير القسري المستمر، ومع أول منخفض جوي حاد يضرب قطاع غزة، تحوّلت مخيمات النازحين واهنة الجدران من شمال القطاع إلى جنوبه إلى بركٍ شاسعة من الأوحال الملوثة، حيث جرفت السيول والرياح العاتية في ساعات قليلة ما تبقى للأسر المكلومة من ستر أو مقومات حياة أساسية.
خمس دقائق فقط من المطر الغزير كانت كفيلة بأن تكشف عورات ضمير العالم الصامت، وتضع مئات آلاف العائلات في مواجهة مباشرة مع شتاء قارس لا يرحم، ففي تلك الدقائق، ابتلعت مياه الأمطار المتدفقة ما لا يقل عن 70 ألف خيمة اهترأ قماشها وتآكلت خيوطها بفعل حرارة الصيف الطويل والتعرض المستمر للعوامل الجوية دون صيانة أو استبدال، لتستيقظ آلاف الأسر على مياه الفيضانات وهي تجتاح مأواهم البائس وتغرق أمتعتهم القليلة المتبقية وملابس أطفالهم الرثة.
إن هذه الأجساد الغضة والنحيلة التي نجت بأعجوبة من صواريخ الموت وصهر القذائف طوال الأشهر الماضية، تجد نفسها اليوم تقف وحيدة في مربع مواجهة عدوّ آخر؛ صقيع الشتاء والسيول التي جرفت الفراش والأغطية، وتركت الأطفال يبكون من شدة البرد والبلل وسط غياب كامل لوسائل التدفئة أو الإيواء البديل. أخبار ذات صلة مرضى غزة.. أجساد أنهكها المرض وأثقلها النزوح تحذير أممي من تفاقم أزمة النزوح في قطاع غزة
وتعالت صرخات الأمهات والآباء مستغيثة من وسط خيامٍ باتت عاجزة تماماً عن صد قطرات الماء المتسللة من أسقفها الممزقة، ليتحول الشتاء الذي ينتظره العالم كفصلٍ للدفء والمطر والخير، إلى كابوسٍ مرعب ومأساة متجددة تُغرق النازحين في وحل المعاناة والمجهول.
ولم تكن الكارثة يوماً في بضع قطرات من المطر أو طقس موسمي معتاد، بل تكمن في الحصار الإسرائيلي الخانق والمحكم الذي يمنع بقرار سياسي وعسكري دخول الشوادر البلاستيكية العازلة، والخيام المتينة المقاومة للأمطار، والبيوت الجاهزة (الكرفانات).
إن ما يحدث في مخيمات النزوح اليوم هو عملية غرق وتجميد متعمدة وممنهجة تجري تحت أنظار المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية، التي تكتفي برصد الأرقام وإصدار البيانات دون تحرك فعلي يكسر طوق الحصار ويوقف جريمة الإبادة الجماعية الممتدة بفصولها عبر فصول الطبيعة.
التعليقات (0)