لم تكن غزة مجرد حرب خاضتها واشنطن بعيدا عن حدودها، كما لم تعد الحرب على إيران شأنا خارجيا يمكن لإدارة ترامب ان تفصله عن حساباتها الداخلية، ففي الحالتين، وجدت الإدارة المتغطرسة نفسها امام معادلة سياسية مكلفة، ما تقرره في الشرق الأوسط لا يبقى محصورا هناك، بل يعود اليها عبر صناديق الاقتراع.
في انتخابات العام 2024، دفع الديمقراطيون ثمنا سياسيا لموقف ادارة بايدن من الحرب على غزة، وربما لم تكن الحرب السبب الوحيد وراء تراجع الحزب وخسارة هاريس، لكن الدعم الأمريكي غير المشروط للاحتلال، واستمرار امدادات السلاح رغم حجم الكارثة الانسانية، عمقا الانقسام داخل القاعدة الديمقراطية، وخسر الحزب شريحة من الناخبين الشباب والعرب والمسلمين، فيما شهدت ولايات حاسمة احتجاجات انتخابية تمثلت في التصويت لمرشحين منافسين او الامتناع عن التصويت.
اللافت في هذه الانتخابات ليس فقط تراجع الجمهوريين، بل صعود جيل جديد من الشباب إلى واجهة السياسة الأمريكية، وفي مقدمتهم أمريكيون من أصول عربية هاجر آباؤهم او هاجروا، ليجدوا انفسهم اليوم على مقاعد الكونغرس ومجالس الولايات، فقد شهدت هذه الانتخابات وصول الطبيب المصري عبدول السيد الى مجلس الشيوخ كأول مسلم يفوز بعضويته، والطبيب المصري ادم حماوي بمقعد في مجلس النواب، الى جانب الفلسطينية الأمريكية عبير قواس التي دخلت مجلس شيوخ ولاية نيويورك، الى جانب وجوه من أصول آفريقية وآسيوية ولاتينية.
مفارقة سياسية تستحق التوقف عندها، ابناء الهجرة الذين غادروا بلادهم بحثا عن فرصة، او هربا من أنظمة تستبد بأوطانهم، أصبحوا جزءا من صناعة القرار في واشنطن، ويحمل بعضهم الى داخل المؤسسات الأمريكية أسئلة لم تعد السياسة التقليدية قادرة على تجاهلها، وفي مقدمتها فلسطين والحروب في الشرق الأوسط.
واليوم، يواجه الجمهوريين اختبارا مشابها، وان اختلفت طبيعة الحرب وسياقاتها، فترامب الذي وعد الأمريكيين بتجنب الحروب، وجد نفسه في اتون حربا مفتوحة مع ايران، بما تحمله من مخاطر التصعيد العسكري، وارتفاع اسعار الطاقة، واستنزاف الموارد، وسقوط قتلى أمريكيين، فضلا عن تهديد مصالحها وقواعدها العسكرية في الشرق الأوسط.
المشكلة بالنسبة للجمهوريين ان الناخب الأمريكي لا يقيس الحروب فقط بعدد الاهداف العسكرية التي تم تدميرها، او بالتصريحات التي لا تكف عن اعلان الانتصار، بل بما يدفعه من جيبه، وبمدى شعوره بالامن، وبالسؤال البسيط، لماذا نخوض هذه الحروب اصلا؟
التعليقات (0)