لم يعد العالم يواجه أزمات منفصلة أو مخاطر عابرة، بل بات يقترب من مرحلة أشد خطورة بفعل ثلاثة عوامل تتداخل وتضاعف آثار بعضها بعضًا: حروب تشعلها قرارات سياسية وعسكرية تتجاهل حياة المدنيين، وكوارث طبيعية تتفاقم بفعل التغير المناخي واستنزاف الموارد وضعف الاستعداد، وتكنولوجيا متسارعة توظفها دول وجماعات ومصالح اقتصادية وعسكرية في الاختراق والتدمير والتضليل. وهذه ليست تهديدات افتراضية، بل وقائع تكشف كيف تحولت أدوات التقدم إلى وسائل قد تهدد شروط بقاء الإنسان نفسه.
لم تعد الحروب تُقاس بعدد الصواريخ والطائرات والدبابات وحدها؛ فقد أصبح استهداف البنية التحتية المدنية والاقتصادية والرقمية جزءًا من أدوات الصراع.، فتعطيل المصارف والكهرباء والمياه والاتصالات والموانئ والمطارات وشبكات النقل والإمداد قادر على شل حياة ملايين البشر، وإضعاف دولة من دون احتلال أراضيها. ومن يختار توسيع الحرب لتشمل مقومات الحياة المدنية يتحمل مسؤولية تعريض المجتمعات بأكملها للخطر.
وتكشف الهجمات الإلكترونية المتزايدة عن اتساع هذا التهديد. ففي 31 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي نسبة سرقة أصول رقمية من منصة بينانس إلى كوريا الشمالية، وقدّر قيمتها بأكثر من ستة مليارات دولار. ولا تقتصر خطورة هذه العمليات على الأموال المسروقة، بل تشمل قدرة الجهات المنفذة على اختراق الأنظمة المالية وتحويل الفضاء الرقمي إلى ساحة للسرقة والتخريب وتحقيق المكاسب الاستراتيجية. كما حذّر صندوق النقد الدولي، في تقريره عن الاستقرار المالي العالمي الصادر في تشرين الأول 2026، من قدرة الحوادث الإلكترونية على تعطيل الخدمات المالية وإضعاف الثقة بها، خصوصًا مع ترابط المؤسسات واعتمادها على مزودي خدمات مشتركين.
ولا يقل استهداف منشآت المياه والكهرباء والطاقة خطورة، ففي 30 تموز 2026، حذّر مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي ووكالة حماية البيئة من هجمات إلكترونية طالت أنظمة تشغيل ومراقبة منشآت المياه والصرف الصحي في سبع ولايات أمريكية على الأقل، وأدت بعض الهجمات إلى انخفاض ضغط المياه وحدوث فيضانات، وقد يؤدي اختراق أنظمة التحكم إلى تعطيل المضخات والمنشآت، فيما تمتد آثار انقطاع الكهرباء والمياه إلى المستشفيات والمصانع والمنشآت الغذائية وسلاسل التبريد. وهكذا يمكن لاستهداف مرفق واحد أن يطلق سلسلة من الأعطال التي تطال قطاعات متعددة.
لكن التهديد لا يأتي من الهجمات وحدها، فقد كشفت أحداث صيف 2026 عن هشاشة منشآت الطاقة أمام الظروف الطبيعية؛ إذ أدى الجفاف والانخفاض الاستثنائي في منسوب نهر الدانوب إلى خفض إنتاج محطة باكس النووية في المجر وتعطيل عدد من وحداتها، كما اضطرت محطة تشيرنافودا النووية في رومانيا إلى إيقاف وحدتيها تباعًا بسبب الظروف الهيدرولوجية ذاتها، ولم تكن هذه الوقائع نتيجة هجمات إلكترونية، بل نتيجة الجفاف وانخفاض منسوب المياه، لكنها أظهرت كيف يمكن لتراجع مورد طبيعي واحد أن يؤثر في منشآت حيوية. فالكارثة قد تكون طبيعية، لكن حجم خسائرها يرتبط أيضًا بمدى استعداد الدول وسياساتها لإدارة الموارد.
وتزداد خطورة هذه الترابطات مع اعتماد المجتمعات على مراكز البيانات والخدمات السحابية وشبكات الاتصالات، التي تدير المعاملات المصرفية وأنظمة النقل والتوزيع والخدمات الحكومية، كما أن تعطيل الموانئ والمطارات وشركات الشحن والمخازن، بفعل هجوم إلكتروني أو مواجهة عسكرية أو إغلاق ممرات بحرية، قد يؤخر وصول الوقود والغذاء والأدوية والمواد الخام، ويرفع الأسعار ويضعف القدرة الشرائية، وعندما تتعطل هذه الشبكات، لا تبقى الأزمة محصورة في قطاع تقني أو تجاري، بل تنتقل إلى تفاصيل الحياة اليومية.
التعليقات (0)