لم يكن وعد بلفور، الصادر في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر 1917، وليد المصادفة، ولا مجرد هدية سياسية قدمتها بريطانيا للحركة الصهيونية، بل جاء ثمرة جهود سياسية ودبلوماسية منظمة، قادها مؤسسو المشروع الصهيوني، الذين أدركوا أهمية تقديم الهدف الاستراتيجي على المصالح الشخصية والحزبية والخلافات التنظيمية.
امتلك ذلك الجيل رؤية واضحة، وعمل على حشد الإمكانات السياسية والمالية والدبلوماسية، مستثمرًا التحولات والظروف الدولية لتحقيق غايته، حتى نجح في انتزاع الاعتراف البريطاني الذي شكّل محطة تأسيسية في مسار إقامة دولة الاحتلال.
وبعد 109 أعوام، تبدو الصورة مختلفة إلى حد بعيد.
فالدولة التي قامت على فكرة المشروع الجامع، تجد نفسها اليوم أمام أزمات متراكمة تتجاوز حدود المواجهة العسكرية، وتمتد إلى بنية الدولة ومؤسساتها ومجتمعها، لتطرح تساؤلات بشأن قدرتها على الحفاظ على تماسكها واستقرارها.
ويشكّل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 محطة مفصلية في تاريخ دولة الاحتلال الحديث؛ إذ لم يقتصر تأثيره على المفاجأة العسكرية واختراق المنظومة الأمنية، بل امتد إلى إحداث صدمة عميقة في الوعي الإسرائيلي، وضرب صورة التفوق الاستخباراتي والردع التي شكّلت طويلًا إحدى ركائز الثقة بالدولة ومؤسساتها.
وكشف ذلك اليوم عن إخفاقات أمنية واستخباراتية وعسكرية، وفتح الباب أمام مساءلة القيادة السياسية والعسكرية، وأعاد طرح أسئلة جوهرية بشأن مفهوم الأمن الإسرائيلي وجدوى السياسات التي حكمت التعامل مع قطاع غزة والقضية الفلسطينية.
التعليقات (0)