حين يتسلل اسم "بلفور" إلى الذاكرة الجمعية للفلسطينيين، فإنه لا يستدعي وثيقةً دبلوماسيةً باهتةً يطويها الأرشيف البريطاني في لندن، بل يبعث حيةً رائحةَ البارود، وأصواتَ الفقد الممتدة تحت وطأة اللجوء، ومرارةَ التشرد التي تجرّ أذيالها منذ تسعة وأعوام مئة.
فلم يكن التعهد الذي أبرمه وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور للورد روتشيلد عام 1917 (مرت ذكراه المشؤومة أمس 2 نوفمبر/ تشرين الثاني) سوى الشرارة الأولى لزلازل المأساة؛ إذ أطلق العنان لمن لا يملك لمنح من لا يستحق، ضمن مقولة استعمارية مظلمة استهدفت محو شعب بكامله وطمس تاريخه من وجوده الأزلي.
واليوم، وتحديدًا من قلب حرب الإبادة الجماعية المتواصلة في قطاع غزة، لا يقف الغزيّون أمام شريط التاريخ كشهودٍ يستذكرون ما مضى، بل يستقرئون واقعًا أليمًا يبرهن أن الجرح لم يبرأ بعد، وأن طيف "بلفور" ما زال يطارد أجسادهم بين ركام البيوت وأقمشة الخيام، شاخصًا كشاهدٍ أزلي على غدر الأمس وجور اليوم. إقرأ أيضاً من لا يملك لمن لا يستحق.. ماذا تعرف عن "وعد بلفور" المشؤوم؟
شهادات حية تكسر حاجز الأجيال
تتجلى قسوة هذا الإرث الاستعماري متسلسلة عبر نبض الشارع الغزي ومقابلة أبنائه، حيث تتضافر الشهادات بين كبار السن والشباب والأطفال، لتصادق على أن الذاكرة الوطنية ترفض الاندثار، وتنبض بأدق تفاصيل الأسى عصيةً على المحو مهما تمادين العقود.
في هذا السياق، يُشخّص السبعيني وجيه النجار (مواليد 1955) وعد بلفور بوصفه حاضرًا في تفاصيل يومه، مؤكدًا أنه يتجسد كـ "النقطة السوداء الأولى" في مسار محاولات تهجير الفلسطينيين، وانتزاع أرضهم، وسلب حقوقهم التاريخية.
التعليقات (0)