تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي اليوم كتابة النصوص، وتلخيص الكتب، وشرح المسائل المعقدة، واقتراح الحلول خلال ثوان، ومع انتقالها إلى تفاصيل العمل والتعليم والحياة اليومية، لم يعد التحدي مقتصرا على دقة الإجابات التي تنتجها، بل امتد إلى دور الإنسان نفسه في الوصول إلى المعرفة، فماذا يحدث لعقولنا عندما تتولى الآلات مهام اعتدنا أن نتعلم من خلالها البحث والتحليل والاستنتاج؟
لا توجد أدلة علمية كافية للقول إن الذكاء الاصطناعي يجعل البشر أقل ذكاء بالضرورة، لكن الأبحاث تطرح سؤالا أكثر دقة: هل يمكن أن يؤدي الاعتماد عليه إلى تقليص الممارسة الذهنية التي يحتاج إليها الإنسان كي يتعلم ويتذكر ويفكر بصورة مستقلة؟ هنا تكمن المسألة الأساسية، فالأداة التي توفر الوقت قد توسع قدراتنا، لكنها قد تحرمنا أيضا من بعض فرص التعلم إذا استخدمناها بديلا عن التفكير، لا وسيلة لدعمه.
في السابق، كان الوصول إلى إجابة يتطلب غالبا تحديد السؤال، والبحث بين مصادر متعددة، ومقارنة المعلومات، ثم بناء استنتاج يمكن مراجعته، أما أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، فتجمع كثيرا من هذه الخطوات في واجهة واحدة، وتقدم إجابات جاهزة يمكن تعديلها وتوسيعها.
هذا الاختصار مفيد عندما يتعلق الأمر بتنظيم المعلومات أو إنجاز المهام المتكررة، لكنه قد يصبح مشكلة إذا اعتاد المستخدم قبول النتيجة دون فحص كيفية الوصول إليها أو التحقق من صحتها، فإنتاج إجابة مقنعة لا يعني بالضرورة أنها صحيحة، كما أن قراءة شرح واضح لا تعني أن القارئ أصبح قادرا على تطبيقه بنفسه.
وفي دراسة منشورة ضمن أعمال مؤتمر جمعية آلات الحوسبة للتفاعل بين الإنسان والحاسوب عام 2025، بحث باحثون من جامعة كارنيغي ميلون ومايكروسوفت ريسيرش استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في العمل المعرفي، اعتمادا على استطلاع شمل 319 موظفا معرفيا وجمع 936 مثالا من تجاربهم.
وجد الباحثون ارتباطا بين ارتفاع الثقة بأدوات الذكاء الاصطناعي وانخفاض الجهد الذي أفاد المشاركون بأنهم يبذلونه في التفكير النقدي، وأشاروا كذلك إلى تحول جزء من هذا التفكير من بناء الإجابة إلى التحقق منها ودمجها والإشراف على استخدامها، لكن النتائج لا تثبت أن الذكاء الاصطناعي يضعف التفكير لدى جميع المستخدمين، فالدراسة اعتمدت على تقارير المشاركين عن تجاربهم، ولا تكفي لإثبات تراجع دائم في قدراتهم.
التعليقات (0)