ربما لا يكون التحول الأكبر الذي سيحدثه الذكاء الاصطناعي في العالم هو قدرته على محاكاة العقل البشري أو التفوق عليه في إنتاج المعرفة، بل قدرته على تغيير الطريقة التي تدير بها البشرية شؤونها وتتخذ بها قراراتها. فالمشكلة التاريخية في إدارة المجتمعات لم تكن دائماً نقص المعرفة أو غياب الحلول، بل كانت في كثير من الأحيان خضوع القرارات للمصالح الشخصية، والتنافس على السلطة، والحسد، والتحيزات، والخوف، والرغبة في السيطرة. وقد دفعت المجتمعات أثماناً باهظة لقرارات لم تكن بالضرورة الأفضل، بل كانت في أحيان كثيرة انعكاساً لموازين القوة والمصالح والنزعات البشرية.
ولعل وصول البشرية إلى مستويات غير مسبوقة من الظلم والتفاوت، واتساع الفجوات الاقتصادية والمعرفية بين المجتمعات، ولا سيما بين الشرق والغرب، وبين الدول الغنية والفقيرة، وداخل المجتمعات نفسها، قد يكون أحد العوامل التي جعلت الإنسان يبحث عن وسيلة تتجاوز قصوره في إدارة شؤونه. فقد نجح في تطوير قدراته العلمية والتكنولوجية إلى حدود هائلة، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في بناء أنظمة عادلة لتوزيع ثمار هذا التقدم. وأصبح من الممكن أن يمتلك طرف ما من القوة والثروة والمعرفة ما يسمح له بالتأثير في حياة الملايين، دون أن تكون لديه بالضرورة مصلحة في إنصافهم أو تقاسم الفرص معهم.
من هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أكثر من اختراع تقني؛ ربما يكون تعبيراً عن حاجة بشرية متراكمة إلى بناء قدرة تتجاوز بعض أسوأ خصائص الإنسان في إدارة السلطة والموارد والعلاقات. فالبشرية التي عجزت مؤسساتها أحياناً عن منع تغول الأقوى، قد تجد في الذكاء الاصطناعي فرصة لبناء منظومة تستطيع أن ترى مصالح المجتمع بأكمله، وتكشف الاختلالات، وتقارن البدائل، وتحد من قدرة المصالح الضيقة على التحكم في القرار العام. لكن هذه الإمكانية ليست نتيجة تلقائية للتكنولوجيا؛ فالإنسان الذي يبتكر الذكاء الاصطناعي هو نفسه الذي يملكه ويموله ويحدد أهدافه، وقد يحوله إلى أداة إضافية لترسيخ تفوقه وسيطرته. وهنا تكمن المفارقة: هل يستطيع الإنسان أن يبتكر أداة تحرره من بعض أشكال الظلم التي عجز عن التحرر منها بإرادته ومؤسساته؟
من هنا تبرز إمكانية استشرافية تتجاوز الاستخدامات الحالية للذكاء الاصطناعي. فبدلاً من أن يكون مجرد أداة تساعد الإنسان على إنجاز الأعمال وتحليل المعلومات، قد يصبح أساساً لنمط جديد من إدارة المجتمعات، يقوم على القدرة على فهم الواقع بصورة شاملة، وربط المتغيرات التي ظلت المؤسسات البشرية تتعامل معها بصورة مجزأة، وتقدير النتائج قبل اتخاذ القرارات.
حتى الآن، ما زال استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة الدول محدوداً ومتفرقاً. هناك تطبيقات في الصحة والتعليم والاقتصاد والخدمات الحكومية، وهناك أنظمة لتحليل البيانات والتنبؤ بالاتجاهات، لكننا لم نصل بعد إلى بناء منظومة معرفية وطنية متكاملة تستطيع أن تجمع المعلومات المتاحة عن المجتمع، وتربطها، وتحللها بصورة مستمرة، وتقدم للدولة فهماً أعمق لواقعها وتحولاته واحتياجاته.
يمكن تصور منظومة كهذه تجمع وتحلل البيانات المتعلقة بالسكان، والتعليم، والصحة، والعمل، والبطالة، والفقر، والإنتاج، والاستهلاك، والاستثمار، والتجارة، والمياه، والطاقة، والزراعة، والإسكان، والنقل، والإنفاق العام، وأداء المؤسسات. لكن قيمتها الحقيقية لن تكون في حجم المعلومات التي تجمعها، بل في قدرتها على اكتشاف العلاقات بين هذه المجالات. فقرار اقتصادي قد تكون له نتائج اجتماعية وتعليمية وصحية لا تظهر في الحسابات التقليدية، ومشروع بنية تحتية قد يغير أنماط السكان والعمل والاستثمار في منطقة كاملة. وما تعجز عنه المؤسسات المنفردة بسبب حدود اختصاصاتها وتشتت معلوماتها، قد يصبح قابلاً للفهم من خلال منظومة تحليلية مترابطة.
التعليقات (0)