تناقش الكاتبة جريمة مقتل الصحفيين في مناطق النزاع كما جرى في غزة لصحفيي الجزيرة دون أن تأخذ العدالة مجراها وإفلات القتلة من العقاب (وكالات)
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل في 10 أغسطس/آب 2025، حين عاد أنس الشريف ومحمد قريقع إلى خيمة الصحفيين عند البوابة الرئيسية لمجمع الشفاء الطبي في مدينة غزة. انتهى يوم عمل طويل آخر، وكان معهما زملاؤهما في الفريق إبراهيم ظاهر ومحمد نوفل ومؤمن عليوة. خيمة من القماش، تحيط بها خيام صحفيين آخرين، لا تحميها إلا صفة من فيها. بعد دقائق أصابتها غارة جوية، فقُتل الخمسة، ولحق بهم في اليوم التالي المصور المستقل محمد الخالدي.
كان أنس قد كتب وصيته قبل ذلك بأربعة أشهر، وجاء فيها: "عشت الألم بكل تفاصيله، وذقت الوجع والفقد مرارا، ورغم ذلك لم أتوان يوما عن نقل الحقيقة كما هي، بلا تزوير أو تحريف". لم يكن يتنبأ بموته، بل كان يقرأ الواقع بعين صحفي يعرف أن العمل نفسه صار سببا كافيا للاستهداف. وكان قد تلقى تهديدات علنية قبل استهدافه، تناقلتها وكالات الأنباء ومنظمات حرية الصحافة، دون أن يتحرك أحد لحمايته.
سجلت اليونسكو مقتل 189 صحفيا وعاملا إعلاميا في العالم خلال عامي 2024 و2025، بزيادة 20% عن الفترة السابقة، وهي أعلى حصيلة منذ عقد. ووقعت 67% من هذه الجرائم في بلدان تشهد نزاعات مسلحة. وتصدرت فلسطين دول العالم بما لا يقل عن 30 قتيلا عام 2024 و32 عام 2025، فيما جاءت المنطقة العربية في صدارة المناطق بـ97 قتيلا
حين صدر تقرير اليونسكو هذا العام عن سلامة الصحفيين وخطر الإفلات من العقاب، قرأت أرقامه كما يقرأ المرء سجلا يعرف بعض من فيه. يقول التقرير إن 36 صحفيا قتلوا في مجموعات داخل مقار إعلامية ميدانية مؤقتة خلال عامي 2024 و2025. وأعرف أن خيمة الشفاء خلف هذا الرقم.
ويقول التقرير إن 33 صحفيا قتلوا داخل سيارات أو دراجات نارية، أي 18% من إجمالي القتلى. خلف هذا الرقم إسماعيل الغول ورامي الريفي، اللذان أصيبت سيارتهما في مخيم الشاطئ في 31 يوليو/تموز 2024. وخلفه حسام شبات، مراسل الجزيرة مباشر، الذي قتل في سيارته في جباليا في 24 مارس/آذار 2025، ولم يكن قد أكمل الرابعة والعشرين.
التعليقات (0)