تحولت مياه المتوسط إلى ساحة لصراع متجدد بين تركيا واليونان (رويترز)
كانت السفينة الإيطالية "إيفولي ريلوم" تبحث في قاع البحر عن مسار مناسب لكابل كهربائي يصل جزيرة كريت اليونانية بقبرص، حين وجدت نفسها في قلب مواجهة بحرية بين تركيا واليونان. فالمهمة التي حملتها إلى المياه الواقعة جنوب جزيرتي كاسوس وكارباثوس، في يوليو/تموز 2024، استدعت تحرك خمس سفن حربية تركية، قابلتها قطع بحرية يونانية، بعدما اعترضت أنقرة على أعمال المسح في منطقة تعدُّها امتدادا لجرفها القاري. أما أثينا، فكانت ترى أن السفينة تعمل بموجب تصاريح مشروعة وفي نطاق الحقوق البحرية لجزرها. وتصاعد التوتر حتى استدعى اتصالات مباشرة بين وزيري خارجية البلدين لاحتوائه، بينما بقي الخلاف قائما حول الجهة التي تملك صلاحية تنظيم الأعمال في تلك المياه.
كان الكابل الذي تبحث السفينة عن مساره جزءا من مشروع "الربط البحري الكبير"، الذي يطمح إلى وصل شبكة الكهرباء القبرصية بأوروبا عبر اليونان، مع إمكانية تمديده لاحقا إلى إسرائيل. وتبلغ تكلفته التقديرية نحو 1.9 مليار يورو (نحو 2.1 مليار دولار)، ويُفترض أن يُنهي عزلة قبرص عن شبكات الكهرباء الأوروبية. لكن الطريق الذي اختير له يمر عبر منطقة لم تتفق بَعْد الدول المطلة عليها على ترسيم حدودها البحرية. إذ إن الجزر التي تستند إليها اليونان في تحديد جرفها القاري ومنطقتها الاقتصادية الخالصة تقابلها مطالبات تركية تقوم على تصور مختلف لأثر تلك الجزر في ترسيم الحدود.
بعد أكثر من عامين على مواجهة كاسوس، عادت محاولة استكمال المسوحات لتوقظ الخلاف من جديد. فقد تقدمت شركة "نيكسانس" الفرنسية في أكتوبر/تشرين الأول 2026 بطلب لاستئناف الأعمال المتعثرة، بينما كانت التطورات السياسية على الضفة الجنوبية للمتوسط تضيف تعقيدا جديدا إلى المشهد. ففي العشرين من الشهر نفسه، وافق مجلس النواب الليبي على اتفاق ترسيم الحدود البحرية الذي وقَّعته حكومة طرابلس مع تركيا عام 2019، بعدما عارضه لسنوات. ورحبت أنقرة بالخطوة، فيما سارعت أثينا إلى رفضها، معتبرة أن الاتفاق يتجاهل "الحقوق البحرية" لجزرها. وهكذا عاد الاتفاق الذي رسم خطا بحريا بين الساحلين التركي والليبي إلى قلب الخلاف الإقليمي، في وقت كانت فيه المساعي جارية لإعادة سفن المسح إلى العمل.
"عاد الاتفاق الذي رسم خطا بحريا بين الساحلين التركي والليبي إلى قلب الخلاف الإقليمي"
تكمن خصوصية هذه المواجهة في أن المشروع يتعلق بنقل الكهرباء، وهو نشاط يميزه القانون الدولي عن استغلال النفط والغاز في الجرف القاري، وتثير الأعمال الفنية السابقة لمد الكابل مسائل قانونية مستقلة. ومع دخول الاتحاد الأوروبي وفرنسا والولايات المتحدة على خط المصالح المرتبطة بالمشروع، وتزايد المخاوف من تكلفته وتأخر إنجازه، بات مصير الربط الكهربائي اختبارا تتقاطع فيه المطالبات البحرية مع القدرة على تنفيذ مشروعات البنية التحتية الإستراتيجية. فمن يملك صلاحية تنظيم النشاط في المساحات التي تتداخل فيها حقوق الدول؟ وإلى أي مدى تستطيع التفاهمات السياسية تجاوز خلافات لم تنجح عقود من المفاوضات في تسويتها؟
التعليقات (0)