على مدار عقود، حافظت المنظومة السياسية الإسرائيلية على صيغة غير معلنة لإدارة العلاقة بين الدولة والمجتمع الحريدي، عُرفت باسم «الوضع القائم». وقامت هذه الصيغة على تفاهمات سياسية منحت الأحزاب الحريدية امتيازات، أبرزها الإعفاء من الخدمة العسكرية وتخصيص موارد مالية لمؤسساتها، مقابل دعم الحكومات المتعاقبة وضمان استقرار الائتلافات. وفي المقابل، ظل ملف المساواة في التجنيد موضع خلاف متكرر، وسط أحكام قضائية لم تنجح في إنهاء الإعفاءات أو فرض تطبيقها بصورة شاملة.
استمر هذا التوازن الهش في ظل اعتقاد ساد داخل المؤسسة الإسرائيلية بأن التطور التكنولوجي والتفوق الجوي والاستخباراتي يمكن أن يقلّص الحاجة إلى جيش واسع يعتمد على التجنيد الشعبي. غير أن هجوم السابع من أكتوبر والحرب متعددة الجبهات أعادا طرح مسألة القوة البشرية بوصفها حاجة عسكرية ملحّة، وكشفا حدود الرهان على التكنولوجيا وحدها.
قبل الحرب، كان تجنيد الحريديم يُطرح أساساً في إطار الجدل حول المساواة وتقاسم الأعباء بين مكونات المجتمع الإسرائيلي. وكانت المطالبات بتوسيع التجنيد تقابل باعتراضات دينية وسياسية، قبل أن تنتهي الخلافات غالباً إلى تسويات داخل الكنيست. لكن استمرار الحرب، وما فرضه من استنزاف للقوات النظامية والاحتياط، نقل القضية من سجال سياسي إلى أزمة تتصل بقدرة الجيش على توفير العدد الكافي من الجنود.
فقد أمضى جنود الاحتياط فترات طويلة بعيداً عن عائلاتهم وأعمالهم، فيما تواصلت العمليات العسكرية على جبهات عدة، وارتفعت كلفة الحرب البشرية والاقتصادية. ومع اتساع متطلبات القتال، عادت المؤسسة العسكرية إلى مواجهة سؤال أساسي: كيف يمكن توسيع قاعدة التجنيد وتوزيع الخدمة العسكرية على قطاعات المجتمع المختلفة؟
في هذا السياق، برزت الاحتجاجات الحريدية الرافضة للتجنيد، والتي شهدت تظاهرات وإغلاقاً للطرقات وهتافات ترفض الالتحاق بالجيش. ويعكس هذا الموقف خلافاً أعمق من مسألة الخدمة العسكرية؛ إذ تنظر قطاعات من المجتمع الحريدي إلى الجيش باعتباره مؤسسة تحمل مشروعاً للدمج في المجتمع العلماني، وترى أن الحفاظ على نمط حياتها الديني واستمرار دراسة التوراة يمثلان أولوية تتقدم على متطلبات الدولة العسكرية.
ولا تقتصر تداعيات هذا الخلاف على العلاقة بين الحريديم والتيارات العلمانية، بل تمتد إلى داخل معسكر اليمين نفسه، ولا سيما الصهيونية الدينية التي يشارك أبناؤها في القتال، ويخدم كثير منهم في الوحدات القتالية ومواقع القيادة. ومع ارتفاع كلفة الحرب على هذه الفئات، تتزايد الاعتراضات على استمرار إعفاء قطاع واسع من الخدمة، في وقت تتحمل فيه قطاعات أخرى أعباء التجنيد والاحتياط والخسائر البشرية.
التعليقات (0)