الأحد 01 نوفمبر 2026 9:50 صباحًا - بتوقيت القدس
ما زال هناك من يسأل: هل الذكاء الاصطناعي نعمة أم نقمة؟ سؤال يبدو مشروعاً للوهلة الأولى، لكنه بات، في تقديري، أقرب إلى العودة إلى نقطة تجاوزها العالم منذ زمن، فبينما لا يزال البعض ومنشغلاً بتحديد موقفه من هذه التقنية، انتقل آخرون إلى توظيفها في مشاريع ومؤسسات وقطاعات تعيد رسم ملامح الحياة والعمل والإنتاج.لا يعني ذلك أن المخاوف من الذكاء الاصطناعي مبالغ فيها، أو أن الحديث عن مخاطره أصبح هامشيا، على العكس، فإن قضايا الخصوصية والتحيز وفقدان الوظائف والمسؤولية الأخلاقية تستحق نقاشا جادا، لكن ثمة فرق بين أن نفهم المخاطر استعداداً لمواجهتها، وأن نظل أسرى السؤال نفسه، فيما تتقدم التجارب من حولنا وتتسع الفجوة بين من يناقشون المستقبل ومن يعملون على صناعته.
من خلال ملاحظاتي في مشاريع الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، والانخراط أحيانا في تطوير المبادرات التقنية، أرى أن النقاش لم يعد نظريا، لقد أصبحنا أمام تطبيقات فعلية تحاول معالجة مشكلات واقعية، وتحسين الخدمات، وتطوير الأداء، وفتح مساحات جديدة للبحث والابتكار، ولم يعد الذكاء الاصطناعي حكرا على شركات التكنولوجيا الكبرى؛ بل امتد إلى التعليم والصحة والإدارة والصناعة والزراعة والإعلام وغيرها.وفي فلسطين، لا ينبغي أن ننظر إلى هذا التحول بوصفه موجة عالمية ننتظر وصولها إلينا، بل فرصة تستحق أن نحدد موقعنا منها، فالتحديات التي تواجه مؤسساتنا، ومحدودية الموارد، والحاجة إلى تطوير الخدمات، تجعل توظيف الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي ضرورة عملية، لا مجرد ترف تقني، ويمكن لهذه التقنيات أن تساعدنا في تحسين أداء المؤسسات الصحية، وتطوير أساليب التعليم، ورفع كفاءة العمل الإداري، ودعم الإنتاج، شريطة أن تنطلق المشاريع من احتياجاتنا الحقيقية، لا من الانبهار بالأدوات الجديدة.غير أن شراء التكنولوجيا أو استخدام تطبيقاتها لا يعني أننا حققنا تحولا رقميا ، فالتحول يبدأ بفهم المشكلة، وتطوير البيانات، وتأهيل الكفاءات، وإعادة النظر في أساليب العمل، ووضع معايير واضحة للمساءلة، وقد تجعلنا الأدوات الذكية أسرع، لكنها لن تجعلنا بالضرورة أكثر كفاءة إذا لم نعرف ما الذي نريد تغييره، ولماذا، وكيف نقيس النتائج.وهنا تبرز مسؤولية الجامعات الفلسطينية.،فدورها لا ينبغي أن يتوقف عند تدريس المفاهيم والتعريف بالتطبيقات، بل يجب أن يمتد إلى إعداد الطلبة للممارسة، وربط المساقات بالمشاريع الواقعية، وتعزيز التعاون مع المؤسسات والقطاعات المختلفة. نحن بحاجة إلى خريجين لا يعرفون فقط كيف يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي، بل يدركون حدودها، ويختبرون مخرجاتها، ويستطيعون تحويلها إلى حلول تناسب واقعهم الفلسطيني.لهذا، أعتقد أن الوقت قد حان لنتجاوز سؤال «هل الذكاء الاصطناعي نعمة أم نقمة؟» إلى أسئلة أكثر جدوى: ماذا سنفعل به؟ ما المشكلات التي سنحلها؟ كيف سنحمي حقوق الناس؟ وكيف نضمن ألا يتحول التقدم التقني إلى فجوة جديدة بين من يمتلكون المعرفة ومن يُتركون خارجها؟لقد بدأ العالم مرحلة التطبيق، وبدأت مؤسساتنا وجامعاتنا تخوض تجاربها، وما زال أمامنا الكثير لنتعلمه وننجزه، لكن البداية الحقيقية ليست في إعلان الإعجاب بالتكنولوجيا، ولا في التحذير منها، بل في امتلاك القدرة على توظيفها بوعي ومسؤولية.فالسؤال لم يعد إن كان الذكاء الاصطناعي نعمة أم نقمة؛ بل إن كنا سنحسن استخدامه لصناعة مستقبلنا، أم سنكتفي بمناقشة مستقبل يصنعه الآخرون.
د. ياسر أبو بكر عضو المجلس الثوري لحركة فتح
الأستاذ الدكتور ضرار عليان
المهندس غسان جابر القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية
التعليقات (0)