f 𝕏 W
حملة دكتوراه أم باحثون؟ من الحصول على الشهادة إلى إنتاج المعرفة وصناعة الأثر

جريدة القدس

سياسة منذ 7 سا 1 9 د قراءة
زيارة المصدر ←

حملة دكتوراه أم باحثون؟ من الحصول على الشهادة إلى إنتاج المعرفة وصناعة الأثر

ملخص ذكي بالذكاء الاصطناعي
مُلخَّص تلقائياً من الخبر الأصلي
تتناول المقالة قضية تحويل حملة شهادات الدكتوراه إلى باحثين منتجين للمعرفة والمؤثرين في مجتمعاتهم. وتشير إلى أن قيمة الدكتوراه لا تقتصر على الحصول على الشهادة، بل تمتد إلى قدرة حاملها على إنتاج معرفة قابلة للتطبيق ومعالجة المشكلات. وتنتقد غياب آليات واضحة لمتابعة مخرجات رسائل الدكتوراه والاستفادة منها في القطاعين العام والخاص، بالإضافة إلى ضعف الثقة في نتائج البحوث أحيانًا، وعدم جدية بعض المشاركين في الدراسات الميدانية.
أبرز النقاط

الأحد 01 نوفمبر 2026 9:54 صباحًا - بتوقيت القدس

مقدمة: سؤال يتجاوز الشهادةفي ظل تزايد أهمية المعرفة في التنمية والتقدم، يبرز سؤال يستحق التأمل: هل ننجح في إنتاج حملة شهادات الدكتوراه فحسب، أم في إعداد باحثين قادرين على إنتاج المعرفة وتوظيفها في فهم المشكلات ومعالجتها؟ليس الهدف من هذا السؤال التقليل من قيمة الدكتوراه، فهي إنجاز علمي يتطلب سنوات من الدراسة والبحث والجهد، وإنما التأكيد أن قيمتها لا ينبغي أن تتوقف عند الحصول على الشهادة، بل تمتد إلى المعرفة التي ينتجها حاملها، وإسهامه في تطوير تخصصه ومجتمعه.

فالقضية ليست عدد حملة الدكتوراه بحد ذاته، بل مدى نجاحنا في تحويل التأهيل الأكاديمي إلى بحث، والبحث إلى معرفة، والمعرفة إلى استخدام وأثر ذي قيمة. فهل تنجح منظومتنا التعليمية والمؤسسية في ذلك، أم ينتهي جزء من هذا الجهد عند مناقشة الرسالة والحصول على الدرجة العلمية؟أولًا: من الشهادة إلى المعرفةتمثل الدكتوراه مرحلة متقدمة من التدريب على البحث العلمي، يُفترض أن يكتسب خلالها الباحث القدرة على تحديد المشكلات، وصياغة الأسئلة، واختيار المنهجيات المناسبة، وتحليل البيانات، وتقديم إضافة علمية إلى تخصصه. لذلك، فهي ليست نهاية المسار البحثي، بل بداية مرحلة يُفترض أن تتواصل فيها عملية التعلم والإنتاج المعرفي.لكن مواصلة البحث لا تعتمد على التأهيل الفردي وحده، بل تتأثر بتوافر الموارد والوقت والفرص والبيئة المؤسسية المناسبة. كما أن قيمة البحث لا تُقاس دائمًا بتطبيقه المباشر؛ فالبحوث النظرية والأساسية قد تطور المعرفة على المدى الطويل، بينما تستهدف البحوث التطبيقية معالجة مشكلات محددة أو تحسين الممارسات.فليست المشكلة في عدد حملة الدكتوراه، وإنما في قدرتنا على تحويل الشهادة إلى بحث، والبحث إلى معرفة، والمعرفة إلى استخدام وأثر.ثانيًا: ماذا يحدث لرسائل الدكتوراه بعد مناقشتها؟تُبذل في إعداد رسائل الدكتوراه جهود كبيرة، وقد تستغرق سنوات من البحث وجمع البيانات وتحليلها. لكن سؤالًا مهمًا يظل مطروحًا: ماذا يحدث لهذه الرسائل بعد مناقشتها؟ هل تصل نتائجها إلى المؤسسات المعنية، وتُناقش توصياتها، أو تُستكمل في أبحاث أخرى، أو تُستخدم في تطوير السياسات والممارسات؟ أم يبقى جزء من هذا الجهد محدود التداول؟لا يمكن افتراض أن جميع الرسائل لا تجد طريقها إلى الاستخدام؛ فبعضها يُنشر أو يُبنى عليه في دراسات لاحقة، وبعضها يقدم معرفة نظرية لا يُشترط أن يكون لها تطبيق فوري. لكن غياب آليات واضحة لمتابعة مخرجات البحث يثير تساؤلًا حول مدى استفادتنا من هذا الاستثمار العلمي.ومن هنا، تتجاوز مسؤولية الجامعات منح الدرجات العلمية إلى إتاحة البحوث، وتشجيع استمرارها، وتعزيز التواصل مع المؤسسات. كما تقع على المؤسسات مسؤولية تحديد احتياجاتها المعرفية والنظر في الدراسات التي يمكن أن تخدم عملها.ثالثًا: بين الاعتراف بالمؤهل والاستثمار في المعرفةتأخذ هذه القضية بُعدًا عمليًا في القطاع العام الفلسطيني، حيث قد يترتب على حصول الموظف على مؤهل علمي أعلى مردود مالي ينعكس على راتبه الشهري، وفق الأنظمة المعمول بها. وهنا يبرز سؤال مهم: إذا كانت المؤسسة العامة تخصص موارد مالية للاعتراف بالمؤهل العلمي، فكيف تستفيد في المقابل من المعرفة والخبرة اللتين يمثلهما هذا المؤهل؟فقد يحصل الموظف على الدكتوراه، ويستحق ما يترتب عليها من مزايا وظيفية، لكنه يستمر في أداء مهامه المعتادة دون أن تتاح له فرصة لتوظيف خبرته البحثية أو الاستفادة من تخصصه في تطوير العمل. ولا تكمن المشكلة في الاعتراف بالشهادة أو في المردود المالي بحد ذاته، بل في احتمال انفصال هذا الاعتراف عن الاستفادة الفعلية من المعرفة المكتسبة.ولا يجوز القول في نظري أن مسؤولية معالجة هذه الفجوة تقع على ديوان الموظفين العام، لكن في المقابل تتطلب تنسيقًا واضحًا بينه وبين المؤسسات الحكومية. فبينما تتصل مسؤولية الديوان بالسياسات والشؤون الوظيفية ضمن اختصاصاته، تقع على المؤسسة مسؤولية تحديد احتياجاتها والتعرف إلى الكفاءات المتاحة لديها وتوفير الفرص المناسبة للاستفادة منها. ومن دون هذا التنسيق، قد يبقى المؤهل حاضرًا في الملف الوظيفي والراتب الشهري، بينما تغيب المعرفة عن التخطيط والتطوير واتخاذ القرار.وفي المقابل، لا يصح تحميل الموظف وحده مسؤولية عدم توظيف شهادته؛ فقد لا تكون مهامه مرتبطة بتخصصه، أو قد يفتقر إلى الصلاحيات والموارد اللازمة. ومع ذلك، تظل المبادرة الفردية مطلوبة، إلى جانب مسؤولية المؤسسة عن تهيئة الظروف المناسبة للاستفادة من الكفاءات.فحين يُترجم المؤهل إلى مردود مالي، ينبغي أن يصاحب ذلك تفكير مؤسسي جاد في كيفية الاستفادة من المعرفة التي يمثلها، بما يخدم الموظف والمؤسسة والمصلحة العامة.رابعًا: هل المشكلة في المعرفة أم في الثقة بها؟قد يرتبط ضعف الاستفادة من البحث العلمي، في بعض الحالات، بضعف الثقة بنتائجه أو بقدرة الباحثين على فهم الواقع. وقد تفضّل بعض المؤسسات الخبرة المعتادة على الأدلة البحثية، أو تتردد في قبول نتائج تستدعي مراجعة قرارات سابقة.ومن الطبيعي ألا تقبل المؤسسات كل ما تنتجه البحوث دون تمحيص؛ فالبحث العلمي ليس معصومًا من الخطأ، ونتائجه تخضع للتقييم والمراجعة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الحذر المشروع إلى رفض مسبق، أو يُحتفى بالبحث بوصفه إنجازًا أكاديميًا ثم يُستبعد عند اتخاذ القرار.فالثقة الحقيقية لا تعني قبول كل نتيجة، بل فحصها وفق جودة منهجيتها وأدلتها، والنظر في حدودها ومدى ملاءمتها للسياق. وتقع على الباحث مسؤولية عرض نتائجه بوضوح وشفافية، وتجنب المبالغة في ما تثبته البيانات.وفي فلسطين، حيث تتعدد التحديات وتحدّ الموارد المتاحة من خيارات المؤسسات، يمكن للمعرفة أن تساعد على فهم المشكلات بصورة أدق وتقييم البدائل وتحسين القرارات ضمن الإمكانات المتاحة، وإن لم تكن قادرة وحدها على تجاوز القيود السياسية والاقتصادية.خامسًا: هل تبدأ المشكلة من مرحلة جمع البيانات؟لا تتعلق جودة البحث بالباحث والمؤسسة فقط، بل تتأثر أيضًا بجدية المشاركين في الاستبانات والمقابلات والدراسات الميدانية. فقد تؤدي الإجابات المتسرعة أو العشوائية إلى إضعاف البيانات والتأثير في النتائج، بحسب حجم هذه الحالات وطبيعة الدراسة.وقد لاحظت ذلك بنفسي عند التعامل مع بعض المشاركين في تعبئة الاستبانات؛ إذ شاهدت حالات لم يُتعامل فيها مع الاستبانة بالجدية والاهتمام المطلوبين. وقد أثارت هذه التجربة تساؤلات حول إدراك بعض المشاركين لأهمية دورهم في إنتاج المعرفة، وأثر الإجابات غير الدقيقة في الجهد الذي يبذله الباحث للوصول إلى نتائج موثوقة.ولا يعني ذلك أن جميع المشاركين يتصرفون بالطريقة نفسها؛ فالمشارك طرف يسهم في بناء البيانات التي يعتمد عليها الباحث. كما لا ينبغي تفسير ضعف المشاركة باللامبالاة دائمًا، فقد يرتبط بغموض الأسئلة، أو طول الاستبانة، أو المخاوف المتعلقة بالخصوصية، أو عدم إدراك الغرض من الدراسة، أو الاعتقاد بأن نتائج البحوث لن تؤدي إلى تغيير.لذلك، تقع على الباحث مسؤولية تصميم أدوات واضحة ومناسبة، وتوضيح هدف الدراسة واحترام خصوصية المشاركين، كما تقع على المجتمع مسؤولية التعامل الجاد والصادق مع البحث. فحين لا يرى الناس أثرًا للبحوث، قد تقل رغبتهم في المشاركة؛ وحين تضعف جودة المشاركة، قد تتراجع موثوقية النتائج. ولهذا تبدأ الثقة بالبحث منذ جمع البيانات، لا عند إعلان النتائج فقط.سادسًا: من المسؤول عن بقاء المعرفة على الرف؟عندما لا تُستثمر المعرفة، يسهل توجيه اللوم إلى الباحث وسؤاله عما فعله بنتائج دراسته. لكن الباحث لا يملك بمفرده القدرة على نقل المعرفة إلى واقع المؤسسات.المسؤولية مشتركة بين الباحث الذي ينتج المعرفة، والجامعة التي توفر بيئة البحث والتواصل، والمؤسسة التي تستطيع استخدام النتائج، وصانع القرار الذي يملك الصلاحيات، والممول الذي يمكنه دعم الدراسات والتطبيقات. لكنها ليست مسؤولية متساوية في جميع الحالات؛ فالجهة التي تملك القرار والموارد تتحمل مسؤولية أكبر عن تهيئة الظروف اللازمة للاستفادة من المعرفة.وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول غياب البيئة المناسبة إلى مبرر دائم لعدم المبادرة من جانب الباحث. المطلوب مسؤولية متبادلة، لا تبادل للاتهامات، ومراجعة للأنظمة والممارسات، لا الاكتفاء بمطالبة الأفراد ببذل مزيد من الجهد.وفي السياق الفلسطيني، تزداد أهمية هذه المسؤولية في ظل محدودية الموارد وتعدد التحديات؛ إذ يمكن لحسن استخدام المعرفة أن يسهم في تحسين الخدمات وتطوير القدرات، حتى إن لم يكن قادرًا على حل جميع المشكلات.سابعًا: كيف ننتقل من الشهادة إلى الأثر؟يتطلب تطوير منظومة البحث العلمي تعزيز التعاون بين الجامعات والمؤسسات لتحديد الاحتياجات البحثية، وإتاحة الرسائل ونتائجها، وتوفير فرص لمواصلة البحث بعد التخرج، والاستفادة من الخبرات المتخصصة داخل المؤسسات.كما يتطلب تعزيز الثقة بالأدلة العلمية، وتطوير مهارات الباحثين في عرض النتائج بوضوح، وتحسين تصميم الاستبانات ورفع الوعي بأهمية المشاركة الجادة. ويمكن للمؤسسات تطوير آليات لمناقشة نتائج الدراسات وتقييم مدى ملاءمتها، مع توضيح أسباب الأخذ بالتوصيات أو عدم تطبيقها.وفي القطاع العام تحديدًا، يمكن لتحسين التنسيق بين ديوان الموظفين العام والمؤسسات الحكومية أن يساعد على ربط المؤهلات العليا بالاحتياجات الفعلية، وتحديد سبل الاستفادة من الخبرات المتاحة، بدلًا من أن يقتصر الاهتمام بالمؤهل على آثاره الوظيفية والمالية.ولا يعني توظيف المعرفة تنفيذ كل توصية بحثية، بل تقييمها وتحديد ما يناسب السياق والإمكانات. كما لا ينبغي قياس نجاح البحث بالتطبيق الفوري وحده؛ فقد تكمن قيمته في تطوير الفهم أو بناء قاعدة معرفية تستفيد منها أبحاث وقرارات لاحقة.خاتمة: هل ننتج باحثين أم منظومة للمعرفة؟إن السؤال عن حملة الدكتوراه والباحثين يقودنا إلى قضية أوسع: هل نمتلك منظومة قادرة على إنتاج معرفة موثوقة، وبناء الثقة بها، والاستفادة منها؟فالمعرفة لا تُنتج بالشهادات وحدها، ولا تتحول إلى أثر بمجرد كتابة التوصيات. إنها تحتاج إلى باحث مؤهل، وبيانات جيدة، ومشاركين يتعاملون بجدية مع البحث، ومؤسسات مستعدة لفحص الأدلة، وبيئة تتيح استخدام النتائج حين يكون ذلك مناسبًا.وفي فلسطين، لا نحتاج إلى التقليل من قيمة الدكتوراه، ولا إلى مطالبة كل باحث بتقديم حل فوري لمشكلة مجتمعية؛ بل نحتاج إلى تقدير المعرفة موردًا يستحق الاستثمار، وتوزيع المسؤولية بصورة عادلة بين الأفراد والمؤسسات.فالمشكلة ليست كم أنفقنا على الحصول على الدكتوراه، بل كم استثمرنا في المعرفة التي أنتجتها الدكتوراه.ويبقى السؤال: هل نجحنا في إنتاج الباحث، أم اكتفينا بإنتاج حامل الدكتوراه؟ وهل وفرنا البيئة التي تجعل المعرفة التي ننتجها جديرة بالثقة وقابلة للاستفادة؟إن الانتقال من الشهادة إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى الاستخدام والأثر، ليس مسؤولية فرد واحد، بل مشروع مؤسسي ومجتمعي يحتاج إلى تعاون ومراجعة مستمرة.

د. ياسر أبو بكر عضو المجلس الثوري لحركة فتح

الأستاذ الدكتور ضرار عليان

المهندس غسان جابر القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس
←

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)