في مارس/آذار 2017، وبعد شهرين فقط من دخول دونالد ترمب البيت الأبيض للمرة الأولى، شهد الكونغرس واقعة غير مألوفة في العلاقة بين الرئيس وأجهزة الاستخبارات التي تعمل تحت إمرته. فقد جلس مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي جيمس كومي، ومدير وكالة الأمن القومي الأدميرال مايك روجرز، أمام لجنة الاستخبارات بمجلس النواب في جلسة للإجابة عن اتهام أطلقه الرئيس قبل ذلك بأسابيع، حين قال إن إدارة سلفه باراك أوباما تنصَّتت على اتصالاته في برج ترمب خلال الحملة الانتخابية.
وتضمنت الجلسة مشهدا غريبا، فقد نفى اثنان من كبار مسؤولي الاستخبارات علنا رواية الرئيس ترمب. ومن تلك اللحظة ينطلق الجنرال ذو النجوم الأربع مايكل هايدن في كتابه "الهجوم على الاستخبارات: الأمن القومي الأمريكي في عصر الأكاذيب" (2018)، بعد أن أمضى حياته المهنية داخل مؤسسات ينصبّ عملها على تمييز الحقيقة من التضليل، ليحذر فيه من أن الأعراف التي يُفترض أنها تحمي نمط الحكم الأمريكي من الانهيار باتت عرضة لضغط متصاعد.
ينتمي هايدن إلى جيل من رجال الأمن القومي الأمريكي تشكَّل وعيه خلال الحرب الباردة، وصعد داخل مؤسسات استخبارية بَنَت شرعيتها المهنية على ادعاء القدرة على الوصول إلى أفضل تقدير ممكن للواقع. وقد خدم قرابة أربعة عقود في القوات المسلحة، وقاد وكالة الأمن القومي بين عامي 1999 و2005، ثم أصبح أول نائب لمدير الاستخبارات الوطنية، ثم تولَّى إدارة وكالة الاستخبارات المركزية بين عامي 2006 و2009. ومن هذا الموقع يكتسب الكتاب قيمته، إذ يقدم شهادة رجل قضى حياته داخل المؤسستين العسكرية والأمنية الأمريكيتين.
يستند هايدن في تفسير أزمة تعامل ترمب مع المعلومات إلى مفهوم "ما بعد الحقيقة"، الذي اختاره قاموس أكسفورد كلمة العام في عام 2016، ويصف به الظروف التي يتراجع فيها تأثير الحقائق الموضوعية في تشكيل الرأي العام أمام المشاعر والمعتقدات الشخصية، ويربط ذلك بتراجع ميراث عصر التنوير الذي منح المعرفة والخبرة والدليل مكانة مركزية، مع الإقرار بالحاجة إلى دراسة الواقع قبل إصدار الأحكام عليه.
يربط هايدن بين أزمة الحقيقة وأزمة الاستخبارات. فمهنة الاستخبارات، في صورتها التي تشكَّلت داخل العالم الغربي، تقوم على جمع المعلومات وتقييمها وتحليلها، ثم تقديم الاستنتاجات إلى صانع القرار كي يستخدمها أو يناقشها أو يدحضها. ولذلك يُوضَع رجل الاستخبارات إلى جوار العالم والصحفي والباحث ضمن الفئات التي تعتمد وظيفتها على وجود حقيقة موضوعية يمكن الاقتراب منها عبر الأدلة.
يشير هايدن إلى أنه في الوقت الذي سهَّلت العولمة فيه حركة الأموال والبضائع والأشخاص وخلقت رابحين وخاسرين، فجَّرت الثورة التكنولوجية مصادر المعلومات وبدَّلت طرق تلقيها، وأدت الحروب الطويلة في العراق وأفغانستان والأزمة المالية إلى إنهاك الثقة في المؤسسات والنخب الأمريكية. ويعترف هايدن بأن رجال الاستخبارات والخارجية كانوا من المستفيدين من تلك الحقبة، فقد عاش كثير منهم خارج الولايات المتحدة، وتحدث العديد منهم لغة أجنبية واحدة أو أكثر، واكتسبوا خبرات دولية، وأصبح التدخل الأمريكي في الخارج مكونا طبيعيا في تصورهم لطريقة عمل العالم. ويكتب عن تجربته الشخصية قائلا إنه قضى سنوات من مسيرته التي امتدت نحو 39 عاما في مواقع خارج الولايات المتحدة، من غوام وكوريا إلى ألمانيا وبلغاريا. وفي المقابل، كانت مدن صناعية أمريكية تفقد المصانع والوظائف والمجتمعات التي ازدهرت حولها.
التعليقات (0)