وجد "طبيب الفقراء" مازن الرنتيسي (71 عاماً) نفسه، خلال الأشهر الأربعة التي أمضاها في سجون الاحتلال، عاجزاً عن تقديم الرعاية لمن عاشوا معه تفاصيل يومياتهم، وكان كثيرون منهم في حاجة إلى رعاية طبية، ولو بسبب الأمراض الجلدية المنتشرة بينهم. كما حُرم هو نفسه من الرعاية الطبية، شأنه شأن آلاف الأسرى الذين يواجهون الإهمال الطبي الذي ينتهجه الاحتلال.
خرج الرنتيسي ليروي كيف عاش هو والأسرى الآخرون في ظل منظومة قمع يُستخدم فيها الطب أداةً للقمع، ويتجرّد فيها الأطباء والممرضون من أخلاقيات المهنة. ظلّ القمع يلاحق الرنتيسي حتى اللحظات الأخيرة قبل الإفراج عنه.
وكما روى، اقتاده السجانون فجر الأحد 25 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، مكبّل اليدين إلى الخلف والقدمين، ومعصوب العينين، إلى المحكمة. وخلال الرحلة، تنقّل بين محطات عدة، من بينها البقاء لساعات في غرفة صغيرة مع 17 شخصاً، والسير نحو كيلومتر من سجن "نفحة" إلى سجن "رامون" ويداه مقيّدتان خلف ظهره. وخلال ذلك، عانى حكة مستمرة بسبب إصابته بمرض الجرب الجلدي "سكابيوس"، إلى جانب شعور بالخدر في يديه استمر حتى بعد فكّ القيود. أخبار ذات صلة من مطاردة بالأسلحة إلى الضرب بالعصي.. محامٍ فلسطيني يروي ساعات الرعب على يد المستوطنين الإفراج عن 9 أسرى من غزة.. ونقلهم إلى مجمع ناصر الطبي لتلقي العلاج
لم يحل صدور قرار الإفراج عن الرنتيسي من المحكمة دون استمرار الاعتداءات. فقد أعاده السجانون إلى الغرفة التي كان يحتجز فيها مؤقتاً، ليجدها ممتلئة بالغاز المسيل للدموع نتيجة قمع الأسرى. وصرخ الشبان الموجودون في الداخل مطالبين بعدم إدخاله، محذّرين من أن استنشاق هذه الكمية من الغاز قد يودي بحياته، وهو في السبعينيات من عمره. ونجح الأسرى فعلاً في منع إدخاله، لكنه عاد إلى الغرفة بعد ساعة ليجد أجواءً من الرعب تسود المكان، حيث كان يُحتجز 16 أسيراً مُنعوا من إصدار أي صوت.
وبعد ساعات، أخرج السجانون الرنتيسي مجدداً، ويداه مقيّدتان خلف ظهره وعيناه معصوبتان. جرّه أحد السجانين ثم دفعه، فسقط على ركبتيه، قبل أن يشعر بارتطام رأسه ويرى ضوءاً يلمع أمام عينيه. واكتشف لاحقاً وجود كدمة واضحة في جبهته. نُقل الرنتيسي إلى غرفة، وبعد فترة، جاءه ممرض وسأله إن كان يشعر بشيء، لكنه فضّل ألا يخبره بشيء، استناداً إلى تجربته مع الأطباء والممرضين خلال الأشهر الأربعة التي قضاها في الاعتقال، إذ كان كل شيء يقابل بالاستهزاء والسخرية. وخلال التحقق من هويته أمام مدير السجن، سأله الأخير عن سبب الكدمة في رأسه، فأخبره بما حدث، لكن المدير اتهمه بالكذب. ولم يحصل الرنتيسي على أي شيء لعلاج إصابته، ولا حتى مطهّر، ولم يجد سوى منديل ورقي قدّمه له أحد أفراد الشرطة.
شكّل هذا الموقف الأخير انعكاساً مصغّراً للواقع الذي عاشه الرنتيسي طوال أربعة أشهر من الاعتقال، حيث استُخدم الطب أداةً ضمن منظومة القمع. ويستذكر الرنتيسي كيف كان الممرضون يصرخون في وجوه الأسرى، تماماً كما يفعل السجانون. ويقول الرنتيسي: "ينسى أنه كادر طبي وعامل إنساني، وهذا معيب. حتى مع عدوك، لا يجوز أن تتخلى عن أخلاقيات المهنة. وأي أمة تقبل بأن يصل الأطباء والممرضون إلى هذا المستوى، فذلك وصمة عار عليها".
التعليقات (0)