الانتخابات الإسرائيلية ليست مجرد منافسة على السلطة بل مرآة تكشف حقيقة المجتمع الذي ينتخب قادته وطبيعة المنظومة السياسية التي تمنحها صناديق الاقتراع شرعية الاستمرار فالعنصرية لا تظهر فقط في تصريحات بن غفير وسموتريتش ولا تختصر في سياسات نتنياهو بل تتجلى أيضاً في خيارات الناخبين وفي الأحزاب التي يمنحونها أصواتهم وتفويضهم السياسي.
تظهر هذه العنصرية بوضوح في التعامل مع المواطنين العرب داخل إسرائيل فالعرب يُسمح لهم بالتصويت والترشح والوصول إلى الكنيست لكن شرعية أحزابهم تُرفض عندما يتعلق الأمر بالشراكة في تشكيل الحكومة وصناعة القرار و هذا تجمع عليه جميع الاحزاب الاسرائيلية والمفارقة أن صوت المواطن العربي يصبح مقبولاً حين يخدم الأحزاب الصهيونية وسياساتها لكنه يُرفض حين يمنح ثقته لمن يدافع عن السلام والعدالة ووقف الجرائم ويطالب بالمساواة في الموازنات والخدمات بين القرى العربية والبلدات اليهودية والمستوطنات إنها ديمقراطية تقبل صوت العربي لكنها ترفض شراكته حين يطالب بحقوقه من وقف الجريمة داخل مدنهم و براهم و رفع موازناتهم ومساواته بالآخرين.
أما فلسطينياً فإن نتائج الانتخابات تكشف أن المشكلة أعمق من نتنياهو وبن غفير وسموتريتش فمن نتنياهو إلى بينيت وليبرمان وأيزنكوت تتبدل الوجوه والخطابات لكن لا يظهر تحول سياسي حقيقي يجعل إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية والاعتراف بحقوق شعبنا أساساً ملزماً للحكم وفي المقابل يستمر القتل والتهجير والاستيطان وهدم المنازل وحرق الأشجار وسرقة الأراضي والممتلكات فيما تتواصل عربدة المستوطنين تحت حماية حكومة و جيش الاحتلال.
إن تكرار انتخاب أحزاب ارتكبت ولا تزال ترتكب إبادة جماعية وتطهيراً عرقياً بحق الشعب الفلسطيني وترفض حقوقه الوطنية وتدعم استمرار الاحتلال يكشف عن تطرف جماعي يتجاوز السياسيين إلى قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي الذي اختارهم وهذا يحمّل الناخبين مسؤولية سياسية وأخلاقية عن خياراتهم وعن السياسات التي يمنحونها شرعية انتخابية فلا يجوز اختزال الجريمة في نتنياهو وحده ثم إعفاء المجتمع والمنظومة السياسية من المسؤولية عن إعادة إنتاجها.
علينا ألّا ننتظر من الكنيست الإسرائيلي وانتخاباته خيراً لفلسطين وألّا ننخدع بتغيير الوجوه أو برحيل نتنياهو فقد يكون الأخطر أن يستمر القتل والاحتلال والاستيطان والتهجير ولكن بخطاب أكثر نعومة ووجوه أكثر قبولاً لدى العالم فتتراجع الانتقادات الدولية من دون أن يتغير الواقع على الأرض وعندها يصبح تغيير الحكومة وسيلة لإعادة تسويق إسرائيل دولياً بينما يواصل الفلسطينيون دفع ثمن السياسات ذاتها.
إن الخطر لا يكمن في تطرف بن غفير وحده بل في مجتمع يمنح الأحزاب التي تتبنى سياسات الاحتلال والقتل والتهجير شرعية انتخابية متجددة فلا ينبغي أن تتحول الانتخابات إلى شهادة براءة أو وسيلة لتجميل صورة الاحتلال.
التعليقات (0)