الخميس 29 أكتوبر 2026 8:26 صباحًا - بتوقيت القدس
لا تبدو الانتخابات الإسرائيلية مجرد منافسة تقليدية بين أحزاب تتصارع على مقاعد الكنيست، بل هي اختبار سياسي قاسٍ لمستقبل بنيامين نتنياهو، ولقدرة خصومه على إنهاء حقبة سياسية طويلة ارتبطت باسمه، ولطبيعة الدولة الإسرائيلية التي تتجه أكثر فأكثر نحو اليمين والتطرف والفاشية ، فبعد حرب مدمرة على قطاع غزة، واتساع المواجهات الإقليمية، وتفاقم الانقسامات الداخلية، يجد الإسرائيليون أنفسهم أمام سؤال يتجاوز هوية رئيس الحكومة المقبل: هل يستطيع النظام السياسي الإسرائيلي إنتاج تغيير حقيقي، أم أن الانتخابات ستعيد تدوير الأزمة ذاتها بوجوه وشعارات مختلفة؟المفارقة أن نتنياهو قد يخسر الانتخابات سياسياً، لكنه لا يخسر الحكم بالضرورة ، ففي النظام البرلماني الإسرائيلي، لا يكفي أن يتقدم معسكر المعارضة في عدد المقاعد، ولا أن تتراجع شعبية حزب الليكود، ولا حتى أن تتسع دائرة الغضب من أداء الحكومة. المعيار الحاسم هو القدرة على جمع أغلبية لا تقل عن 61 عضواً في الكنيست المؤلف من 120 مقعداً، وهنا تكمن الحيلة السياسية التي أتقن نتنياهو استثمارها مراراً: ليس مطلوباً منه دائماً أن ينتصر انتصاراً واضحاً، بل يكفي أحياناً أن يمنع خصومه من تشكيل حكومة بديلة.
وتشير المعطيات المنشورة عن الانتخابات أن المعسكرين لا يملكان طريقاً مضموناً إلى الأغلبية، ما يجعل المفاوضات اللاحقة للاقتراع حاسمة، ويفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة، من تشكيل حكومة معارضة إلى استمرار حكومة تصريف الأعمال أو الذهاب إلى انتخابات جديدة.السيناريو الأول يتمثل في نجاح المعارضة في تشكيل حكومة بأغلبية واضحة، وهو الاحتمال الذي يراهن عليه خصوم نتنياهو لإنهاء حكمه وفتح ملفات الإخفاقات السياسية والأمنية، وفي مقدمتها أحداث السابع من أكتوبر 2023، وقد تتجه حكومة جديدة إلى تشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة، وإعادة النظر في بعض القرارات التي فجّرت الخلافات الداخلية، ومحاولة ترميم العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا، وإعادة ترتيب العلاقة بين الحكومة والمؤسسات القضائية.لكن هذا السيناريو، حتى لو تحقق، لن يعني بالضرورة انقلاباً في السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، فالمعارضة التي ترفع شعار التغيير ليست كتلة متجانسة، ولا تجمعها رؤية واحدة بشأن الاحتلال أو الاستيطان أو الدولة الفلسطينية، إن القاسم المشترك بين عدد من قادتها يتمثل في الاعتراض على نتنياهو وأسلوبه في إدارة الحكم، وفي المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الإخفاق الأمني، أكثر مما يتمثل في الاستعداد لمراجعة جوهر المشروع الصهيوني أو إنهاء السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وقد يتغير الخطاب السياسي، وتتحسن العلاقات مع العواصم الغربية، لكن ذلك لا يكفي وحده لإنهاء معاناة الفلسطينيين أو وقف الاستيطان والتهجير.أما السيناريو الثاني، فيتمثل في عودة نتنياهو إلى تشكيل حكومة يمينية، ولو بأغلبية ضيقة، إذا نجح في استمالة أحزاب صغيرة أو استقطاب نواب من خارج معسكره، فالرجل لا يخوض معركة انتخابية عادية، وإنما معركة وجود سياسي، تتداخل فيها حسابات السلطة مع مستقبله الشخصي والقانوني، ومع مستقبل حلفائه من اليمين المتطرف، ولذلك لن يتردد في تقديم تنازلات سياسية أو توزيع المناصب والامتيازات إذا كان ذلك كفيلاً بإنقاذ ائتلافه.وفي هذه الحالة، قد تتواصل السياسات التي عمّقت الانقسام الإسرائيلي، وتتسع مساحة نفوذ القوى الأكثر تطرفاً في ملفات الاستيطان والضم الفعلي لأجزاء من الضفة الغربية، فيما تستمر المواجهة حول صلاحيات القضاء ومحاسبة المسؤولين عن الإخفاقات الأمنية، ولن تكون القضية الفلسطينية سوى أحد ميادين هذا الصراع، رغم أن نتائج هذه السياسات ستنعكس بصورة مباشرة على حياة الفلسطينيين وحقوقهم ومستقبلهم الوطني.أما السيناريو الثالث، وهو الأكثر تعقيداً، فيتمثل في استمرار الجمود السياسي وعجز أي من المعسكرين عن جمع الأغلبية اللازمة، عندها قد يبقى نتنياهو رئيساً لحكومة تصريف الأعمال إلى حين التوصل إلى اتفاق أو إجراء انتخابات جديدة، وهنا تتحول المفارقة إلى أزمة ديمقراطية وسياسية: تتراجع الثقة بالحكومة، ويطالب الخصوم بالتغيير، لكنهم يعجزون عن الاتفاق على البديل، فيبقى الرجل الذي أرادوا إسقاطه في موقع السلطة، ولو بصورة مؤقتة.ولا تكمن خطورة هذا السيناريو في تكرار الانتخابات فحسب، بل في استمرار حالة الشلل داخل المؤسسات السياسية، وتأجيل التحقيقات الحاسمة، وتفاقم الخلافات بشأن الخدمة العسكرية والميزانية والقضاء، في وقت تواجه فيه إسرائيل تحديات أمنية وإقليمية متشابكة، كما أن بقاء حكومة تصريف الأعمال لا يعني بالضرورة توقف القرارات المصيرية؛ إذ قد تظل قادرة على اتخاذ قرارات مهمة، بما فيها القرارات الأمنية والعسكرية، وهو ما يضاعف المخاوف من أن تتحول فترة الانتظار السياسي إلى مرحلة شديدة الحساسية.لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بمن سيجلس في مكتب رئيس الحكومة، بل بما إذا كانت المعارضة قادرة على تجاوز تناقضاتها، فكيف يمكن لأحزاب تختلف في قضايا جوهرية، وتتباين حساباتها الأيديولوجية والشخصية، أن تتفق على مشروع حكم مستقر؟ وكيف يمكنها إقناع الناخب الإسرائيلي بأنها البديل القادر على إدارة الدولة، إذا كان هدفها المشترك هو إسقاط نتنياهو، بينما تظل خلافاتها قائمة حول هوية رئيس الحكومة المقبل، وطبيعة الائتلاف، وحدود التعاون مع الأحزاب العربية؟وتبرز هنا المفارقة الأكثر دلالة: بان تمتلك الأحزاب العربية وزناً برلمانياً قادراً على ترجيح كفة أحد المعسكرين، لكن قطاعات واسعة من المعارضة الصهيونية لا تزال تتعامل مع إشراكها في الحكومة بوصفه خطاً سياسياً حساساً أو غير مقبول، وبذلك لا تعود الأزمة مجرد صراع بين نتنياهو وخصومه، بل تصبح انعكاساً لبنية سياسية تضيق فيها مساحة الشراكة مع المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، حتى عندما تكون أصواتهم قادرة على التأثير في هوية الحكومة المقبلة.ومن المنظور الفلسطيني، فإن الرهان على نتائج الانتخابات الإسرائيلية باعتبارها بوابة مؤكدة نحو السلام هو رهان محفوف بالأوهام، فالتغيير الحكومي، إن حدث، قد يفتح مجالاً لتبدل في الأساليب والأولويات والعلاقات الدولية، لكنه لا يشكل بحد ذاته ضمانة لإنهاء الاحتلال أو وقف الاستيطان أو الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية، فالخلاف بين نتنياهو وخصومه لا يعني بالضرورة خلافاً على حق الفلسطينيين في الحرية والاستقلال، بل قد يدور في جانب كبير منه حول كيفية إدارة الصراع، وتوزيع المسؤولية عن الإخفاقات، واستعادة ثقة المجتمع الإسرائيلي بمؤسساته.وهنا تقع مسؤولية الفلسطينيين في قراءة المشهد بعيداً عن الرهان على أسماء السياسيين الإسرائيليين أو انتظار ما ستقرره صناديق الاقتراع، فالتجربة أثبتت أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، على اختلاف أحزابها، لم تنهِ الاحتلال، وأن الوعود الانتخابية لا تساوي شيئاً إذا لم تتحول إلى خطوات عملية توقف مصادرة الأرض، وتفكك منظومة الاستيطان، وتنهي الاعتداءات، وتضمن للشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره.إن الانتخابات الإسرائيلية قد تطيح بنتنياهو، وقد تعيده إلى الحكم، وقد تُبقيه أشهراً إضافية في حكومة مؤقتة، لكن أياً من هذه الاحتمالات لا يضمن وحده تغيير الواقع الفلسطيني. فالمعيار الحقيقي ليس من ينتصر في صناديق الاقتراع الإسرائيلية، وإنما ما إذا كان هذا الانتصار سيقود إلى تغيير ملموس في السياسات التي تحرم الفلسطينيين حقوقهم. قد يكون ذلك أكبر هزيمة لنتنياهو أن يفقد القدرة على تشكيل حكومة، لكن أكبر انتصار له قد يكون في عجز خصومه عن الاتفاق على بديل، وبين الاحتمالين، تبقى إسرائيل أمام أزمة تتجاوز شخص رئيس الحكومة، ويبقى الفلسطينيون أمام حقيقة لا ينبغي تجاهلها: ليس كل تغيير في الحكم تغييراً في المشروع، وليس كل سقوط لسياسي سقوطاً للسياسات التي صنعها أو كرّسها.في نهاية المطاف، قد تكون الأحزاب العربية صاحبة الكلمة التي ترجّح كفة هذا المعسكر أو ذاك، إذا تأكد حصولها على أكثر من 18 مقعداً، لكنها تجد نفسها أمام مفارقة سياسية تكشف حدود الديمقراطية الإسرائيلية: أصواتها قد تكون مطلوبة لتشكيل الحكومة، بينما تظل الشراكة معها موضع رفض لدى قطاعات من الأحزاب الصهيونية يمينا ويسارا ، وهنا يُختبر معسكر المعارضة فعلياً؛ فإما أن يتجاوز حساباته الأيديولوجية ويقبل بالتعاون الذي قد يتيح له تشكيل حكومة بديلة، وإما أن يعجز عن جمع الأغلبية، فيمنح نتنياهو فرصة جديدة للبقاء في الحكم، رغم ما قد يتعرض له معسكره من تراجع انتخابي.لكن المسألة لا تتوقف عند من سيجلس في مكتب رئيس الحكومة، ولا عند ما إذا كانت المقاعد العربية ستمنح المعارضة مفتاح السلطة أو تترك نتنياهو في موقعه، فحتى لو سقط نتنياهو، فإن ذلك لا يعني بالضرورة سقوط السياسات التي كرّسها، ولا نهاية الاستيطان أو الاعتداءات أو مشروع فرض الوقائع على الأرض الفلسطينية، وقد تتغير الحكومة، وتتبدل التحالفات، وتتغير لغة الخطاب الموجه إلى العالم، بينما يبقى الفلسطينيون يواجهون الاحتلال ومصادرة الأرض والتهجير وانسداد الأفق السياسي.إن الاختبار الحقيقي لهذه الانتخابات لن يكون فقط في هوية الفائز، بل في طبيعة التغيير الذي يمكن أن تحمله نتائجها، أما بالنسبة للفلسطينيين، فلا ينبغي أن يتحول الصراع الانتخابي الإسرائيلي إلى مصدر جديد للأوهام أو إلى رهان على أن تغيير الحاكم سيغيّر وحده واقع الاحتلال، فالمعيار ليس من ينتصر في الكنيست، بل ما إذا كانت السياسات التي تنتهك حقوق الفلسطينيين ستتوقف، وما إذا كان حقهم في الحرية والاستقلال وتقرير المصير سيصبح حقيقة سياسية، لا مجرد وعد يتكرر مع كل انتخابات.قد تكون المقاعد العربية مفتاحاً لتشكيل الحكومة، وقد يكون عجز المعارضة طوق نجاة لنتنياهو، لكن الحقيقة التي لا تتغير بتبدل الحكومات أن سقوط رئيس وزراء لا يعني سقوط مشروع، وتغيير الوجوه لا يعني تغيير السياسات، وبين صناديق الاقتراع في إسرائيل وأرض فلسطين، يبقى السؤال الأهم: هل تنتج هذه الانتخابات تغييراً يتجاوز صراع السلطة، أم أن الفلسطينيين سيجدون أنفسهم مرة أخرى أمام حكومة جديدة وأزمة قديمة واحتلال يواصل فرض وقائعه؟
علاء كنعان ـ صحافي وكاتب فلسطيني
السفير سون تشن مدير مكتب الصين لدى فلسطين
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
التعليقات (0)