تعد واقعة اختيار السير ونستون تشرشل لنيل جائزة نوبل للآداب في أكتوبر من عام 1953 واحدة من أبرز المفارقات في تاريخ الجائزة العالمية. فلم يأتِ هذا التكريم ليتوج عملاً أدبياً متخيلاً أو شعراً، بل جاء تقديراً لمجموعة من الكتب السياسية والتاريخية التي وثقت أحداثاً عالمية كبرى.
أثار فوز تشرشل دهشة واسعة في الأوساط الثقافية حينها، إذ كان الرجل سياسياً محترفاً ورئيساً لحكومة بلاده للمرة الثانية عند إعلان الجائزة. وقد تساءل الكثيرون عن المعايير التي دفعت المحكمين لتفضيله على أدباء وشعراء كرسوا حياتهم لصياغة اللغة وابتكار العوالم الإبداعية.
الكتاب الذي كان سبباً رئيساً في هذا الفوز هو 'مذكرات حول الحرب العالمية الثانية'، والذي صدر في ستة مجلدات ضخمة ضمت نحو ستة آلاف صفحة. بدأ تشرشل في تدوين هذه المجلدات عام 1948 خلال فترة ابتعاده المؤقتة عن السلطة، واستكملها بعد عودته لرئاسة الحكومة عام 1951.
تشير القراءة الفاحصة للمجلدات إلى أنها لم تكن عملاً أدبياً بالمعنى التقليدي، بل كانت تجميعاً مكثفاً ليوميات ميدانية وبرقيات ووثائق رسمية. وقد طغت المادة التوثيقية على النص السردي، مما جعل القيمة التاريخية والسياسية للكتاب تتجاوز قيمته الفنية كعمل نثري.
دافع تشرشل عن أسلوبه في الكتابة مشيراً إلى تأثره بالكاتب دانيال ديفو في كتابه 'مذكرات فارس'، حيث مزج بين التجربة الشخصية والأحداث الكبرى. واعتبر نفسه الشاهد الوحيد الذي عاصر أكبر كارثتين بشريتين في القرن العشرين وهو في سدة الحكم، مما منحه رؤية فريدة.
توزعت مجلدات الكتاب الستة على مراحل الحرب المختلفة، بدءاً من 'العاصفة تقترب' التي رصدت الفترة ما بين 1919 و1940، وصولاً إلى المجلد الأخير 'انتصار ومأساة'. وقد حملت العناوين دلالات سياسية عميقة تعكس رؤية تشرشل لمسار الصراع العالمي وتوازنات القوى.
التعليقات (0)