الأربعاء 28 أكتوبر 2026 8:35 صباحًا - بتوقيت القدس
تبدأ أزمة التعليم حين تتسع الفجوة بين غاياته ونتائجه، وتتراكم الاختلالات التي تحد من أثره في حياة المتعلمين والمجتمع. ومع استمرار التراجع، يتزايد خطر الانزلاق نحو العدم التربوي، حين تبقى المؤسسات والبرامج قائمة، بينما تتراجع قدرتها على إنتاج تعلم جيد ومستدام.ويتعمق تآكل المعنى حين تنفصل المعرفة عن الحياة، وتتراجع صلة التعلم بالوعي والفعل، ويضعف دور التعليم في تنمية التفكير النقدي والإبداع والمشاركة الواعية.
وتتداخل في هذه الأزمة قيود الاحتلال، بما تفرضه من تدمير للمؤسسات وتهجير ومصادرة للأرض واستهداف للذاكرة والرواية الوطنية، مع اختلالات داخلية في السياسات والحوكمة وتوزيع الموارد ومكانة المعلم وجودة التعلم والمساءلة. ويضاعف هذا التداخل صعوبة إعمال الحق في التعليم وتحقيق غاياته الوطنية والإنسانية.وفي ظل هذه التحديات، كيف يستعيد التعليم الفلسطيني معناه وفاعليته، ويصون دوره الوطني والإنساني، ويعزز قدرة الفلسطينيين على فهم واقعهم وإنتاج المعرفة ومقاومة محاولات المحو، في مواجهة قيود الاحتلال والاختلالات الداخلية والتحولات الرقمية المتسارعة؟أولا: تراجع التعلم واختلال شروط إنتاجهتكشف نتائج الدراسات الوطنية والدولية جوانب من أزمة التعلم الفلسطيني، لكنها لا تفسر أسبابها بمفردها. ويتطلب فهمها تحليل شروط إنتاج التعلم، بما يشمل البرامج وطرائق التدريس والزمن التعليمي وإعداد المعلمين والتمويل والحوكمة، إلى جانب الظروف الاجتماعية والاقتصادية والتفاوت في فرص التعلم. فالنتائج حصيلة تفاعل عوامل تربوية ومؤسسية ومجتمعية متداخلة.يفرض الاحتلال قيودا ممنهجة على الحق في التعليم الفلسطيني ضمن منظومة التمييز العنصري والفصل العنصري (الأبارتهايد). ففي غزة، دمر المدارس والجامعات وحرم أجيالا من التعليم، وفي الضفة الغربية، بما فيها القدس، تعرقل اقتحامات قوات الاحتلال واعتداءات المستوطنين والحواجز والقيود على الحركة والتهجير القسري انتظام التعليم والوصول إلى المدارس. وتفاقم هذه الانتهاكات الفاقد التعليمي وتعيق استدراكه ومعالجة آثاره المعرفية والنفسية والاجتماعية، وتهدد استمرارية التعليم ووحدة النظام التربوي الفلسطيني.وتتفاعل هذه الضغوط مع اختلالات داخلية، أبرزها اضطراب الأولويات بين الحكومات المتعاقبة، وضعف استمرارية التخطيط، واتساع الفجوة بين الخطط والتنفيذ والنتائج. ويؤدي غياب مرجعية وطنية مستقرة تحدد غايات التعليم وأولوياته إلى تشتت الجهود والموارد وتعثر تراكم الإنجاز، فيما تحد الفجوة بين التخطيط والموازنات والقدرات التنفيذية من تحقيق الأهداف.وتتجلى مشكلات الحوكمة في تداخل الصلاحيات وضعف التنسيق والمساءلة، ومحدودية مشاركة الميدان التربوي والجامعات والمجتمع المدني والأسر في صنع القرار. ويضعف ذلك استجابة السياسات للاحتياجات الفعلية وثقة المجتمع بالمؤسسات التعليمية. كما يفاقم التفتت الجغرافي والإداري تفاوت فرص التعلم بين المناطق والفئات والمدارس، ولا سيما لدى الفئات الأكثر تعرضا للحرمان.وترتبط جودة التعلم بمكانة المعلم وشروط مهنته، من الإعداد والتطوير المهني إلى الحقوق الوظيفية والاستقرار والاستقلال التربوي. كما تكشف محدودية التقويم الشامل فجوة في القدرة على تفسير نتائج التعلم، وتحديد مسؤولية السياسات والإنفاق عن التقدم أو التعثر.ويضيف التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي تحديات تتعلق بتفاوت الوصول إلى التكنولوجيا، وحماية الخصوصية والنزاهة الأكاديمية، والتحقق من موثوقية المحتوى. وقد يؤدي تفاوت البنية التحتية والقدرات الرقمية إلى تعميق الفجوات التعليمية القائمة.ثانيا: استعادة القدرة وإعادة بناء المعنىتتطلب استعادة فاعلية التعليم مرجعية وطنية تحدد غاياته وأولوياته ومسؤوليات مؤسساته، وتربط السياسات بالموازنات ومؤشرات الأثر والجداول الزمنية وآليات المساءلة، بما يضمن تحويل الخطط إلى التزامات قابلة للتنفيذ ونتائج قابلة للقياس.ويعزز الإنصاف تكافؤ الفرص في الوصول إلى تعليم ذي جودة، من خلال توجيه الموارد وفق الاحتياجات الفعلية، وإزالة العوائق الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية، وإيلاء اهتمام خاص بالفتيات، والطلبة ذوي الإعاقة، والأطفال في الأسر الفقيرة والمناطق المهمشة، والمتضررين من الاحتلال والنزوح، ومتابعة أثر السياسات في تضييق فجوات التعلم.وترتبط جودة التعلم بإنصاف المعلمين وتعزيز مكانتهم المهنية واستقلالهم التربوي وإشراكهم في صنع السياسات، وتحديد مسؤوليات الشركاء التربويين، وتوجيه التمويل إلى الاحتياجات الفعلية وربطه بنتائج التعلم والإنصاف.ويتصدر الأولويات التعافي التعليمي في غزة، عبر استعادة فرص التعلم وتأهيل المؤسسات ودعم الطلبة والمعلمين واستدراك التعلم المتعثر. ويتكامل ذلك مع حماية استمرارية التعليم في الضفة الغربية والقدس وصون وحدة النظام التعليمي، على أن تحدد الاحتياجات الفلسطينية أولويات الدعم الدولي ووجهته.وتتطلب إعادة بناء المعنى مراجعة المناهج وطرائق التدريس والتقويم، وربط المعرفة بالتجربة الفلسطينية وأسئلة الحياة والمجتمع، وتنمية القدرة على قراءة التاريخ والواقع وتمحيص الروايات والأدلة وإنتاج المعرفة. والغاية بناء شخصية وطنية متجذرة وعقل مستقل، منفتح على التجربة الإنسانية وقادر على نقدها والتفاعل معها بوعي.وتقتضي السيادة المعرفية توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في خدمة التعلم، وتطوير المحتوى الرقمي العربي والإنتاج المعرفي الوطني، وتعزيز قدرة المتعلمين على التحقق والتحليل والحكم المستقل. ويظل هذا التوظيف محكوما بالإنصاف وحماية الخصوصية والنزاهة الأكاديمية وحرية التفكير.وتتطلب المساءلة نظاما وطنيا مستقلا وشفافا للمتابعة والتقويم، يجمع بين المراجعة الداخلية والتقويم الخارجي بمشاركة خبرات تربوية وبحثية مستقلة. ويقيس تحقق الغايات وأثر السياسات والإنفاق، ويحلل أسباب التقدم والتعثر، ويحدد المسؤوليات والإجراءات التصحيحية ومواعيد تنفيذها، وينشر النتائج وفق معايير معلنة وأدلة موثوقة.ختاماً، إن استعادة التعليم الفلسطيني مسؤولية وطنية تتصل بوجود الشعب وحقه في الحرية وتقرير المصير. وهي تقتضي استعادة قدرة التعليم على إنتاج المعنى، وبناء وعي نقدي يحوّل المعرفة إلى قدرة على الفهم والفعل. وتُقاس جدية السياسات بما تُحدثه من تغيير ملموس في حياة المتعلمين والمجتمع. فاستمرار المؤسسات والبرامج لا يكفي لصون التعليم ما لم يحقق غاياته؛ إذ تكمن قيمة التعليم في قدرته على بناء الإنسان، وتحرير طاقاته، وتمكينه من فهم واقعه والمشاركة في تغييره، ليظل التعليم الفلسطيني ركيزة للوعي والحرية والإرادة الوطنية.
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)