الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- من مكتبة بلدية متواضعة في طفولتها إلى مشاركتها في إطلاق كرسي الدراسات الفلسطينية في جامعة برشلونة، تحمل الأكاديمية سناء السرغلي إيمانًا بأن المعرفة لا تكتفي بتفسير العالم، بل تمنح الناس القدرة على مساءلته وتغييره، حيث كانت تلك المكتبة نافذتها الأولى على عالم أوسع من حدود المدينة التي نشأت فيها. هناك، وبين صفحات الروايات والكتب، بدأت تتشكل علاقة مبكرة بالمعرفة، عززتها عائلة آمنت بالتعليم، وأب أهداها كتاب “خارج المكان” لإدوارد سعيد، وأحاديث فتحت أمامها أسئلة عن الهوية والانتماء والعالم.
وجدت الطفلة في القراءة جواز سفر إلى مدن وثقافات لم تعرفها، لكنها لم تتخيل يومًا أن تقودها رحلتها يومًا إلى قاعات الجامعات البريطانية، ومنابر المؤسسات الدولية، وصولًا إلى جامعة برشلونة الإسبانية، حيث شاركت في إطلاق أول كرسي جامعي متخصص بالدراسات الفلسطينية في إسبانيا، وألقت كلمة أكدت فيها أن فلسطين مجتمع ينتج المعرفة، ويمتلك تاريخًا فكريًا وثقافيًا وعلميًا يستحق أن يكون حاضرًا في تشكيل المعرفة الإنسانية، لا مجرد قضية سياسية تُدرس وتُحلل.
بالنسبة لـ د. سناء السرغلي، أستاذة القانون الدستوري في جامعة النجاح الوطنية، يتجاوز إطلاق الكرسي إضافة برنامج أكاديمي جديد إلى الجامعات الأوروبية؛ إذ يفتح الباب أمام سؤال جوهري يتعلق بموقع الفلسطينيين في المؤسسات الأكاديمية العالمية: هل سيبقون موضوعًا للبحث والدراسة، أم يصبحون شركاء في صياغة الأسئلة والمناهج والنظريات التي تنتج المعرفة عن فلسطين والعالم؟
تجيب السرغلي لـ “الحياة الجديدة”: “إن فلسطين حاضرة منذ عقود في الجامعات الأوروبية، لكن حضورها ارتبط بدرجة كبيرة بالاحتلال والمفاوضات والتطورات السياسية، وهي موضوعات لا يمكن تجاهلها، لكنها لا تختصر التجربة الفلسطينية بكل غناها وتعقيداتها”. فهناك، كما توضح، تاريخ الفكر الفلسطيني، والأدب والفن، والحركات النسوية، والتاريخ الاجتماعي، والمؤسسات التعليمية، وكلها مجالات تستحق أن تُدرس بوصفها مكونات لمجتمع ينتج المعرفة، لا مجرد مجتمع تدور حوله الأحداث.
وتستحضر في هذا السياق أسئلة المفكر إدوارد سعيد بشأن سلطة تمثيل الآخر، والجهة التي تحدد الإطار الذي تُفهم من خلاله تجربته. فالمشكلة، في نظرها، ليست في أن يدرس باحثون أوروبيون فلسطين، بل في أن يظل الفلسطينيون، في بعض الأحيان، مصادر للمعلومات والشهادات، فيما تُصاغ الأسئلة البحثية والتفسيرات والنظريات بعيدًا عن مشاركتهم.
ومن هنا، ترى الأكاديمية السرغلي أن القيمة الحقيقية لكرسي الدراسات الفلسطينية ستتحدد بقدرته على بناء شراكات أكاديمية متكافئة مع الجامعات والباحثين الفلسطينيين، تتجاوز استضافة الأكاديميين لإلقاء المحاضرات إلى إشراكهم في التدريس وتصميم البرامج والمشاريع البحثية والإشراف العلمي، وتوفير فرص التبادل للطلبة والباحثين.
التعليقات (0)