ليست الأزمة المحتدمة اليوم في أروقة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ( الأونروا ) مجرد ثغرة مالية في الميزانيات أو عجز طارئ في الأرقام، بل هي في جوهرها أزمة إرادة سياسية دولية ومحاولة مكشوفة لتفريغ الوكالة من مضمونها والتملص من المسؤولية التاريخية والأخلاقية تجاه قضية اللاجئين، فلقد نشأت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) بموجب القرار رقم 302 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1949، لتكون التزاماً قانونياً وسياسياً وأخلاقياً من المجتمع الدولي تجاه قضية اللاجئين الفلسطينيين لحين إيجاد حل عادل وشامل وفق القرار 194، حيث بُني هذا الوجود التاريخي على ركنين أساسيين للرعاية التشغيل، وهما تقديم الخدمات الأساسية من تعليم وصحة وإغاثة، وتوفير فرص العمل الكريمة والتشغيل للاجئين، إن المحاولات الجارية اليوم لإعادة تعريف دور الوكالة أو تقليص خدماتها تحت ذريعة الأزمة المالية الخانقة تُمثّل انحرافاً خطيراً عن هذا التفويض الأممي؛ إذ تؤكد شواهد الواقع أن الأزمة المحتدمة ليست مجرد أرقام جافة في ميزانيات متقلبة، بل هي في جوهرها أزمة إرادة سياسية دولية تستهدف تفريغ الوكالة من مضمونها والتمهيد لتصفية قضية اللاجئين وحقوقهم التاريخية والتملص من المسؤولية الدولية القانونية تجاههم.
وفي هذا السياق المعقد والبالغ الخطورة، تحمّل موظفو وكالة الغوث في قطاع غزة على مدار أكثر من عامين خصماً استثنائياً اقتُطع بموجبه 20% من رواتبهم، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية وإنسانية هي الأشد قسوة تحت وطأة الحرب، والنزوح، وفقدان البيوت والممتلكات، وبدلاً من أن تُقابل هذه التضحيات الجسام بالوفاء والمساندة، تفاجأ الجميع بقرارات وإجراءات صدمت الشارع النقابي صادرة عن إدارة الوكالة والمفوض العام بالإنابة كريستيان ساندرز تستهدف الاستغناء عن عقود آلاف الموظفين في مناطق العمل الخمس، وبخاصة كوادر قطاع غزة، فلقد اختارت الإدارة الطريق الأسهل قانونياً والأكثر إجحافاً إنسانياً بمحاولة معالجة العجز المالي على حساب الأمان الوظيفي للعمال والموظفين، عبر طرح خيارات قسرية على اتحاد العاملين تقوم على إنهاء العقود وتطبيق البند (109) التعسفي.
إن تطبيق هذا البند يُعامل الموظف المخلص وكأنه ترك العمل بإرادته المستقلة ليُحرم قسراً من مستحقاته والمكافأة المترتبة على سنوات الخدمة الطويلة، فضلاً عن سلب حقه الأصيل في العمل، وتُمثل هذه الخطوة تنصلاً صريحاً من حماية الكوادر التي قضت زهرة أعمارها في خدمة برامج الوكالة التعليمية والصحية والإغاثية، ليُتركوا لمصير مجهول بعد أن تقدموا في السن وفقدوا القدرة على المنافسة في سوق العمل الخارجي؛ إن هذا الإجراء الإداري الجائر لا يمثل مجرد تجاوز للحدود الوظيفية، بل يُعد تساوقاً خطيراً مع مخططات إنهاء دور وكالة الغوث، ومحاولة لإجبار الحركة النقابية على تقبل خطوات تُمثّل ضربة في مقتل لبنية الأونروا المؤسسية، بدءاً من غزة وصولاً إلى كافة مناطق العمل الخمسة، فأي منطق هذا الذي يُدار به العجز الدولي على حساب قوت أطفال الموظفين وحقوقهم المكتسبة؟
ومن منظور نقدي وعمالي شامل، فإن أي إجراء يُتخذ من جانب واحد لإلغاء العقود أو المساس بحقوق الموظفين المشروعة يُعد خرقاً صريحاً لعقود العمل والمواثيق العمالية الدولية، وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته الثالثة والعشرين التي تكفل لكل شخص الحق في العمل وفي شروط عمل عادلة، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بمادتيه السادسة والسابعة اللتين تؤكدان على الحق في العمل والأمان الوظيفي، إضافة إلى اتفاقيات منظمة العمل الدولية ولا سيما الاتفاقية رقم 158 بشأن إنهاء الخدمة بمبادرة من صاحب العمل والتي تحظر إنهاء الخدمة دون أسباب موضوعية مشروعة، والاتفاقية رقم 98 بشأن حق التنظيم والمفاوضة الجماعية، والاتفاقية رقم 135 الخاصة بحماية ممثلي العمال؛ وبناءً عليه، لا يجوز بحال من الأحوال تحميل الموظف نتائج العجز المالي الدولي، أو فرض سياسة الأمر الواقع لإجبار النقابات على شرعنة تصفية حقوق العاملين، وإن ضرب عرض الحائط بمبادئ الشراكة والحوار الاجتماعي يُسقط الشرعية عن هذه القرارات، كما أن اتخاذ أي إجراءات استثنائية أو إحالة الموظفين لتقاعد مبكر نتيجة ظروف الوكالة يجب أن تترتب عليه حقوق مضاعفة تتضمن تقديم حوافز تشجيعية مجزية وتوفير شبكة أمان مالي واجتماعي تليق بما قدمه الموظف طوال سنوات خدمته، لا أن يُحرم من مكافأته عبر تطبيق بند يُفرغ الحقوق من مضمونها.
ولكي لا تظل معالجة أزمات الأونروا شيكاً بلا رصيد على حساب الحلقة الأضعف، فإن الرؤية العلاجية الموضوعية تتطلب خارطة طريق واضحة وحاسمة تبدأ بالتراجع الفوري وغير المشروط عن تطبيق البند (109) وسياسة إنهاء العقود والقمع الإداري، مع الالتزام الكامل بصرف كامل المستحقات والمكافآت عن كافة سنوات الخدمة، وحماية برامج الأونروا التعليمية والصحية والتشغيلية باعتبارها جوهر التفويض الأممي المسند بالقرار 302 والذي لا يملك أي طرف حق المساس به أو تقليصه إدارياً، وإذا كانت هناك ضرورة ملحة لإعادة الهيكلة، فيجب أن تقوم حتماً على التقاعد المبكر الطوعي والرضائية والتوافق بحوافز مالية مشجعة وحقوق مضاعفة وفق أصول المفاوضة الجماعية المنصوص عليها دولياً،
بالتوازي مع ذلك، ينبغي تكثيف الجهود الدبلوماسية والسياسية من المفوض العام بالإنابة والأمانة العامة للأمم المتحدة لتثبيت ميزانية الأونروا أو جزء أساسي منها ضمن الميزانية المنتظمة للأمم المتحدة لضمان استدامتها وحمايتها من الابتزاز السياسي والتقلبات المالية لدول المانحين، فضلاً عن توجيه خطابات رسمية ضاغطة للجامعة العربية والدول العربية المضيفة والدول المانحة لمواجهة العجز المالي عبر مسار سياسي ودبلوماسي يرفض تحويل العجز المالي إلى مقصلة وظيفية بحق العاملين.
التعليقات (0)