الأحد 25 أكتوبر 2026 8:37 صباحًا - بتوقيت القدس
ثمة كتابات لا نقرأها فحسب، بل نشعر أنها تستدعي شيئًا عميقًا في ذاكرتنا الوطنية. وهذا ما شعرت به وأنا أقرأ ما كتبه الصديق نافذ الرفاعي عن كنيسة الكرك، مستعيدًا حكاية جاره المسيحي أبي أنطون في بيت لحم، وموقف والده الشيخ الأزهري المتصوف، الذي علّمه أن الرحمة لا تعرف حدودًا دينية، وأن المرء لا يفقد حقه في المحبة لأنه ينتمي إلى دين آخر.لقد أعادني نص نافذ إلى حقيقة نحتاج اليوم إلى التمسك بها: الكراهية لا تسيء إلى المختلف وحده، بل تسيء أيضًا إلى الدين الذي يزعم أصحابها أنهم يدافعون عنه.
في حكاية أبي أنطون، لا نرى مجرد رجل أحب أرضه وأشجاره وجيرانه، بل نرى صورة أصيلة من صور الحياة الفلسطينية، حيث تتشابك الذاكرة بالعلاقات الطيبة، وتصبح الشجرة التي يغرسها المرء في حديقة جاره شاهدًا على المودة التي لا تحتاج إلى خطابات كبيرة كي تثبت حضورها.كان أبو أنطون يمنح جيرانه ثمار أرضه، لكنه كان يترك لهم ما هو أبقى من الثمار: ذكرى طيبة، وانتماءً مشتركًا إلى المكان، وشهادة على أن الوطن يُبنى بالعمل والمحبة والعلاقات اليومية، لا بالشعارات وحدها.أما الموقف الذي رواه نافذ عن والده، فهو جوهر الحكاية. حين اعترض بعض المتشددين على ترحّمه على أبي أنطون، لم يدخل الشيخ في سجال طويل، ولم يحتج إلى رفع صوته لإثبات موقفه. اكتفى بأن أعادهم إلى كلمات القرآن الكريم: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ»، لا رب فئة من الناس أو أتباع دين بعينه.في تلك اللحظة، انتصر المعنى على الجهل، وكشفت الآية ضيق العقول التي تريد احتكار الرحمة، وتحويل الدين من رسالة أخلاقية تجمع الناس إلى أداة للإقصاء والتفرقة.ومن هنا، فإن الاعتداء الذي استهدف إخوتنا المسيحيين في كنيسة الكرك، وفق ما يتناوله النص، لا يمكن النظر إليه باعتباره جريمة ضد أشخاص يؤدون عبادتهم فحسب؛ إنه اعتداء على حق الإنسان في ممارسة إيمانه بأمان، وعلى تاريخ طويل من العلاقات التي جمعت أبناء المنطقة الواحدة، وعلى قيم التعايش التي تشكل أساس استقرار المجتمعات.وأنا، بوصفي فلسطينيًا، أجد في هذه الحكاية ما يتجاوز حدود المكان. ففي فلسطين، لم يكن المسلمون والمسيحيون جماعتين منفصلتين عن أرضهما وتاريخهما، بل شركاء في الحياة الوطنية، وفي مواجهة الاحتلال، وفي حماية الذاكرة والهوية. ومن بيت لحم إلى القدس والخليل، ومن المدن الفلسطينية إلى المدن العربية، بقيت الروابط الوطنية أعمق من محاولات التفريق التي غذّتها خطابات الكراهية.إن أخطر ما في الفكر التكفيري أنه لا يكتفي برفض المختلف، بل يسعى إلى تجريده من حقه في الحياة والكرامة، ثم يمنح العنف غطاءً دينيًا زائفًا. وحين تتحول دور العبادة إلى أهداف، يصبح واجبنا جميعًا أن نواجه هذا النهج بوضوح وحزم، من دون تردد أو تبرير.ولا يكفي أن ندين الجريمة بعد وقوعها؛ المطلوب أيضًا مواجهة الأفكار التي تبرر الاعتداء على الأبرياء، وتعزيز التربية على احترام التعددية، وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، ومحاسبة كل من يحرّض على استهداف الآخرين أو يمارس العنف بحقهم.رحم الله ضحايا كنيسة الكرك، وحفظ الأردن وأهله من الفتن، والرحمة لأبي أنطون الذي بقيت أشجاره شاهدة على ما زرعه من محبة في قلوب جيرانه، وللشيخ الذي أدرك أن الإيمان الحق لا يضيق بالآخر، بل يعترف بكرامته وحقه في الحياة.إن الذين يزرعون الأشجار يتركون أثرًا طيبًا في الأرض والذاكرة، أما الذين يزرعون الكراهية فلا يحصدون إلا الخراب. وبين أبي أنطون ومعتدي كنيسة الكرك تتضح المسافة بين إيمان يفتح أبواب الرحمة، وفكر لا يرى في الاختلاف إلا ذريعة للإيذاء والقتل.
د. ياسر أبو بكر عضو المجلس الثوري لحركة فتح
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)