وجهت عملية الخليل ضربة جديدة لصورة المنظومة الأمنية الإسرائيلية، وأعادت إلى الواجهة الأسئلة المتعلقة بقدرة جيش الاحتلال وأجهزته الاستخبارية على منع العمليات، رغم الانتشار العسكري المكثف والاقتحامات المتواصلة والإجراءات المشددة في الضفة الغربية المحتلة. وأسفرت العملية عن مقتل جنديين إسرائيليين، لم تقتصر دلالاتها على خسائرها المباشرة، بل امتدت إلى ما كشفته من تحديات تواجه المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في فرض معادلاتها الميدانية. وأبرزت العملية أن التفوق العسكري وكثافة الإجراءات الأمنية لا يعنيان بالضرورة القدرة على إحباط كل هجوم أو إنهاء المواجهة في الضفة الغربية. إخفاق أمني بدوره، أكد الخبير في الشأن الإسرائيلي فراس ياغي أن عملية الخليل، التي جاءت قبل أربعة أيام من الانتخابات الإسرائيلية، تمثل إخفاقًا أمنيًا جديدًا لحكومة بنيامين نتنياهو واليمين المتطرف، الذي بنى حملته الانتخابية على تقديم نفسه باعتباره الطرف الأقدر على توفير الأمن للإسرائيليين. وقال ياغي لـ"الرسالة": إن "العملية أعادت طرح التساؤلات بشأن قدرة المنظومة الأمنية الإسرائيلية على منع الهجمات، مشيرًا إلى أن استمرار المواجهة في الأراضي الفلسطينية يكشف حدود السياسات الأمنية والعسكرية التي تتبعها حكومة الاحتلال. وشدد على أن الحديث عن تحقيق الأمن الإسرائيلي يبقى مرتبطًا بإنهاء غياب الأمن الذي يعانيه الفلسطينيون، معتبرًا أن استمرار الاحتلال وسياساته لا يوفر أساسًا لاستقرار مستدام. وأوضح ياغي أن نتنياهو لن يتعامل مع عملية الخليل باعتبارها حادثة أمنية محدودة، بل قد يسعى إلى توسيع نطاقها واستثمارها سياسيًا، في إطار المنافسة مع الأحزاب اليمينية المتطرفة التي بدأت، بحسب تقديره، باستقطاب أصوات من قاعدة حزب الليكود. وأشار إلى أن نتنياهو يسعى إلى استعادة هذه الأصوات وإظهار حزبه باعتباره الأكثر تشددًا في قضايا الأمن والاستيطان والسيطرة على الأراضي الفلسطينية. وبين أن هذا التنافس يعكس صراعًا داخل معسكر اليمين الإسرائيلي، حيث تحاول الأحزاب المتنافسة إثبات قدرتها على تطبيق سياسات أكثر تشددًا، ولا سيما في الضفة الغربية، التي تحتل موقعًا محوريًا في أجندة الحكومة الحالية. ولفت ياغي إلى أن نتنياهو يسعى، من خلال توسيع العمليات العسكرية في الضفة الغربية، إلى تحويل الاهتمام من إخفاقات حكومته إلى ملف الأمن، وجعله القضية المركزية في المعركة الانتخابية. وقال إن هذه الاستراتيجية تهدف إلى الحد من تركيز المعارضة على ملفات أخرى، من بينها إخفاقات السابع من أكتوبر، وقضية تجنيد الحريديم، والانقلاب القضائي الذي أثار انقسامًا واسعًا داخل إسرائيل. وأضاف أن الحكومة تحاول، بالتوازي مع ذلك، فرض وقائع جديدة على الأرض الفلسطينية، في سياق ما يطرحه نتنياهو من شعارات تتعلق بإسرائيل الكبرى وتعزيز القوة الإسرائيلية الإقليمية. وأكد أن هذه الطموحات، وفق قراءته، تمتد إلى الضفة الغربية وقطاع غزة وجنوب لبنان وجنوب سوريا، فضلًا عن التهديدات المتعلقة بإيران، معتبرًا أن الخطاب القائم على استعراض القوة لا يلغي حدود القدرة الإسرائيلية على فرض الإرادة السياسية والعسكرية على شعوب المنطقة. وفي ما يتعلق بالتداعيات الميدانية للعملية، أوضح ياغي أن الرد الإسرائيلي اتخذ مسارين أساسيين، يتمثل الأول في إغلاق محافظة الخليل وتشديد الحصار على سكانها، والثاني في توسيع عمليات التدمير والإخلاء في المناطق المستهدفة. وأشار إلى أن قوات الاحتلال شرعت في تدمير منشآت ومبانٍ في منطقة فرش الهوى، من بينها منشآت صناعية ومعامل للبلاط، فيما تذرعت السلطات الإسرائيلية بمسائل الترخيص وتصنيف المنطقة ضمن المنطقة "ج". ولفت إلى أن التصريحات الإسرائيلية التي تتبنى عمليات الهدم تعكس، بحسب تقديره، حجم التنافس بين قوى اليمين على إظهار التشدد في التعامل مع الفلسطينيين، في ظل سعي كل طرف إلى تعزيز موقعه لدى القاعدة الانتخابية اليمينية. وبين ياغي أن الإجراءات الإسرائيلية امتدت إلى حي الجلدة، الذي قال إن منفذي العملية ينحدرون منه، مشيرًا إلى إخلاء نحو 2500 فلسطيني من المنطقة وفق تقديره، وإلى تحرك بلدية الخليل لتفعيل إجراءات الطوارئ واستيعاب العائلات لدى أقاربها وأنسبائها. وأكد أن التضامن الاجتماعي بين السكان أسهم في توفير المساعدة للعائلات المتضررة، في مواجهة ظروف الإخلاء القسري وفقدان المأوى. وحذر من احتمال تنفيذ عمليات تدمير وتجريف أوسع، على غرار ما جرى في مخيم جنين، ومن اتخاذ إجراءات قد تحول دون عودة السكان إلى منازلهم. وشدد على أن هذه التداعيات لا تقتصر على الجانب الأمني، بل تحمل أبعادًا إنسانية واجتماعية خطيرة، في ظل ما تفرضه من نزوح وضغوط على العائلات الفلسطينية. وفي قراءته للمرحلة المقبلة، أشار ياغي إلى أن مستقبل السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية سيتأثر بنتائج الانتخابات وطبيعة الحكومة التي ستتشكل بعدها. وقال إن استمرار نتنياهو في الحكم قد يعني، وفق تقديره، مواصلة النهج الحالي القائم على توسيع العمليات العسكرية وتشديد الإجراءات بحق الفلسطينيين، في حين قد يطرأ تغيير على طبيعة هذه الإجراءات إذا وصلت المعارضة إلى السلطة.
الأحزاب الإسرائيلية من جانبه أكد الكاتب والمحلل السياسي مؤمن بركة أنه لا يمكن فهم عملية الخليل بمعزل عن توقيتها السياسي والسياق الأوسع للمواجهة المفتوحة في الأراضي الفلسطينية، مشيرًا إلى أن العملية لم تعد الضفة الغربية إلى واجهة المشهد فحسب، بل فتحت الباب أمام تصعيد إسرائيلي قد تتجاوز أهدافه الرد الأمني المباشر إلى استثمار الحدث لإعادة ترتيب المشهد الميداني وفرض وقائع جديدة على الأرض. وأوضح بركة لـ"الرسالة" أن العملية تأتي في توقيت حساس بالنسبة إلى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، مع اقتراب الانتخابات وتصاعد التساؤلات بشأن إخفاقات السابع من أكتوبر، ومسؤولية حكومته عن إدارة الحرب وتداعياتها. وأشار إلى أن حسابات نتنياهو لا تقتصر على استثمار المخاوف الأمنية داخل المجتمع الإسرائيلي، بل تمتد إلى مواجهة منافسيه السياسيين الذين يزايدون على حكومته في ملفات الأمن والاستيطان والسيطرة على الأراضي الفلسطينية، في ظل الانتقادات المتعلقة بعدم تحقيق الأهداف المعلنة في جبهات القتال التي انخرطت فيها إسرائيل. وبين بركة أن تصاعد المواجهة يزيد الضغوط على الأحزاب الإسرائيلية لإثبات قدرتها على استخدام القوة، لافتًا إلى أن عملية الخليل تطرح تساؤلات جوهرية بشأن جدوى السياسة الأمنية الإسرائيلية التي اعتمدت لسنوات على الاقتحامات والاعتقالات والحصار والتوسع الاستيطاني. وأكد أن استمرار عمليات المقاومة في الضفة الغربية، رغم هذه الإجراءات، يكشف حدود المقاربة الأمنية الإسرائيلية وعجزها عن تحقيق حسم نهائي للصراع، مهما بلغت كلفة هذه السياسات على الفلسطينيين. وحذر بركة من أن تتحول العملية إلى غطاء لتوسيع العمليات العسكرية في مدن الضفة الغربية، وتشديد الحصار، وهدم المنازل، وتهجير السكان، ودفع التوسع الاستيطاني إلى مراحل جديدة. وأوضح أن التصعيد في الضفة لا يجري بمعزل عن المسار السياسي الإسرائيلي الأوسع، بل يرتبط بتوجهات اليمين الساعية إلى تكريس السيطرة على الأرض الفلسطينية وتقليص فرص إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة. وأشار بركة إلى أن توقيت العملية لا يعني بالضرورة أن نتنياهو سيتمكن من تحقيق مكاسب انتخابية، مؤكدًا أن ذلك سيظل مرتبطًا بمسار الأحداث، وردود الفعل داخل المجتمع الإسرائيلي، وقدرة خصومه السياسيين على إبقاء ملف الإخفاقات الحكومية حاضرًا في النقاش العام. ولفت إلى أن أهمية عملية الخليل لا تقتصر على تداعياتها الأمنية المباشرة، بل تمتد إلى ما قد تخلّفه من نتائج سياسية وميدانية بعيدة المدى. ولفت إلى أن نتنياهو قد يسعى إلى توظيف التصعيد لتعزيز موقعه في المعركة الانتخابية، في وقت يواجه فيه الفلسطينيون خطر تحول الإجراءات المؤقتة إلى واقع دائم من الحصار والتهجير والاستيطان، محذرًا من أن الانتخابات قد تنتهي وتتغير الحكومات، لكن الوقائع المفروضة على الأرض قد تستمر آثارها لسنوات طويلة.
التعليقات (0)