يتزامن التطور الأمني المتسارع المتمثل في عملية الخليل بالضفة الغربية مع الهجوم المسلح المستهدف لكنيسة حمود في محافظة الكرك بالأردن ، ليعيد طرح التساؤلات المعقدة حول دلالات التوقيت ، ومدى ارتباط هذه الساحات بمسارات تصعيدية أوسع تسبق الانتخابات الإسرائيلية المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر الحالي . وفي قراءة موضوعية للواقع الميداني والسياسي ، يظهر أن هذا التزامن يتقاطع مع سياقات إقليمية ومحلية بالغة الحساسية ، تعيد رسم الخارطة الأمنية لجميع الأطراف المعنية في المنطقة. يصعب الجزم بوجود "مخطط مشترك ومسبق" يربط مباشرة بين عملية الكرك ذات الخلفية المتطرفة محلياً وفق البيانات الرسمية الأردنية ، وعملية الخليل التي جاءت في مرحلة شائكة وتوقيت يثير الذهول !! ومع ذلك ، فإن النتيجة السياسية والأمنية تفرض واقعاً واحداً : وهو أن اتساع رقعة التوتر وتعدد الساحات يخدمان موضوعياً تيار اليمين العقائدي المتطرف في إسرائيل . اليمين المتطرف ، بقيادة أقطاب مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش ، يتخذ من أي اهتزاز أمني ، سواء كان في الداخل الفلسطيني أو على الحدود الإقليمية ، ركيزة أساسية لتسويق خطابه القائم على عسكرة الحلول ، والمطالبة بتفكيك السلطة الفلسطينية وشن حملات تهجير وضم واسعة . بالتالي ، فإن انفجار الساحات في هذا التوقيت بالذات ، وبصرف النظر عن دوافع المنفذين الفردية أو التنظيمية ، يمنح حكومة بنيامين نتنياهو الأوراق اللازمة لتصدير الرعب واستغلال الملف الأمني لترميم التراجع في استطلاعات الرأي . تأتي عملية الخليل لتضرب ادعاءات نتنياهو ووزرائه بقدرتهم على فرض " الردع المطلق " وإحكام السيطرة الكاملة على الضفة الغربية . لكن في المقابل ، يمتلك اليمين الحاكم قدرة براغماتية على تحويل هذا الفشل الأمني إلى مبرر إضافي لمزيد من البطش والعقوبات الجماعية . فالتصعيد الإسرائيلي الذي يسبق الانتخابات يهدف إلى : *شد عصب الناخب اليميني من خلال إعلان الإغلاقات الشاملة على المدن الفلسطينية وتكثيف عمليات الهدم والاعتقال والإغتيال لإظهار "القبضة الحديدية" . *تطويق الخصوم السياسيين عبر محاولة فرض حالة الطوارئ الأمنية وإلغاء الأنشطة الانتخابية لإعادة توجيه النقاش العام نحو هاجس الأمن الشخصي للمستوطنين بدل الإخفاقات السياسية والاقتصادية . يحمل المشهد القادم ملامح قاتمة للأطراف كافة في ظل غياب أي أفق سياسي وهيمنة الفكر الإلغائي لدى النخبة الحاكمة في تل أبيب . فبالنسبة للفلسطينيين فإن مواجهة مشروع الحسم والتهجير يضعهم أمام مرحلة جديدة من التضييق الممنهج وخنق الموارد الاقتصادية وتوسيع الاستيطان . وتستغل الحكومة الإسرائيلية العمليات الفردية كغطاء لتنفيذ "خطة الحسم" في الضفة الغربية ، مما يضع المجتمع الفلسطيني بين خياري القبول بالأمر الواقع المقيد أو الانفجار الشامل الذي قد يقود إلى انتفاضة جديدة غير تراتبية . ولدى المحيط الإقليمي ، فإن تحديات الأمن الداخلي والشرعية بالنسبة لهم ، لا يمكن حصرها جغرافياً ، فالإرهاب الداخلي ومحاولات إثارة الفتن الطائفية أو ضرب السلم الأهلي _ كما جرى في حادثة الكرك _ تستهدف زعزعة استقرار الدول المحيطة لخلخلة مواقفها السياسية . وتفرض هذه التطورات على الدول العربية تعزيز التماسك الداخلي واليقظة الأمنية لمواجهة مشاريع تصفية القضية الفلسطينية على حساب أمنها القومي. أما لدى الإسرائيليين ، فإن الانزلاق نحو الفاشية التامة والعزلة على الطرف الآخر عبر قيادة عقائدية دموية سيقود المجتمع الإسرائيلي نحو مزيد من التطرف والانقسام الداخلي الحاد . كما أن الاعتماد المفرط على الحلول العسكرية والعقوبات الجماعية دون معالجة الجذور السياسية للمشكلة يبقي إسرائيل في دوامة عنف مستمرة ، ويزيد من تآكل صورتها الدولية وعزلتها الخارجية ، مع تزايد التحذيرات من انقسامات أعمق قد تهدد التماسك الداخلي للمنظومة الإسرائيلية نفسها . إن الأيام القادمة ، التي تفصل المنطقة عن الصناديق الإسرائيلية وما بعدها ، لا تحمل وعوداً بالهدوء . بل تشير إلى أن تلاقي النيران على جبهات متعددة ، وتصاعد وتيرة العنف ، يمهدان لبيئة إقليمية شديدة الانفجار ، حيث يدفع الجميع أثمان التمسك بخيارات العقيدة المتطرفة وإلغاء الآخر .
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
التعليقات (0)