في مشهد سياسي إسرائيلي يتسم بالاستقطاب الحاد وتقارب حظوظ معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وخصومه، تبرز أصوات اليهود الحريديم بوصفها إحدى الأوراق الحاسمة في معركة الانتخابات المقررة الثلاثاء المقبل، وسط تساؤلات بشأن قدرتهم على ترجيح كفة اليمين مجددا، أو التخلي عن حليفه التقليدي بسبب الخلافات المتصاعدة حول إعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية.
ولم تأت هذه المكانة من فراغ، كما يشير تقرير بثته الجزيرة، بل تشكلت عبر عقود من التفاهمات السياسية والصفقات الائتلافية التي حولت الأحزاب الحريدية من تيار ديني متحفظ إزاء المشروع الصهيوني إلى قوة برلمانية يصعب على معظم الأحزاب الإسرائيلية تجاوزها عند السعي إلى تشكيل الحكومات.
والحريديم، وهم تيار من اليهود الأرثوذكس المتشددين، يتمسكون بتطبيق صارم للشريعة اليهودية، ويعيش كثير منهم ضمن مجتمعات مغلقة نسبيا، تتمحور حياتها حول الدراسة الدينية والتقاليد المحافظة. وقد انعكست هذه الخصوصية على خياراتهم السياسية، التي ترتبط إلى حد كبير بالحفاظ على استقلال مؤسساتهم التعليمية والدينية، وضمان الإعفاءات العسكرية لأبنائهم.
تعود جذور التنظيم السياسي للحريديم إلى ما قبل قيام إسرائيل، مع تأسيس حركة "أغودات إسرائيل" عام 1912، لتكون مظلة سياسية تمثل قطاعات من اليهود الأرثوذكس. وقد اتخذت الحركة مواقف متحفظة تجاه الصهيونية، انطلاقا من اعتقاد بعض تياراتها أن إقامة الدولة اليهودية ينبغي أن ترتبط بتحقق إرادة إلهية، لا بمشروع سياسي علماني.
ومع اقتراب قيام إسرائيل، سعى قادة الحركة الصهيونية إلى الحصول على دعم ديني يساهم في منح الدولة الناشئة شرعية داخل المجتمع اليهودي. وفي هذا السياق، توصل دافيد بن غوريون إلى تفاهمات مع ممثلي الحريديم عرفت باسم "الوضع القائم"، تضمنت ترتيبات خاصة للمؤسسات الدينية والأحوال الشخصية، إلى جانب إعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية وفق شروط محددة.
ومقابل هذه الامتيازات، انخرطت الأحزاب الحريدية في الحياة السياسية، وشاركت في ترتيبات الحكم، قبل أن تتوتر العلاقة مع الحكومات بشأن قضايا دينية واجتماعية، ما دفعها في مراحل لاحقة إلى الابتعاد عن الائتلافات الحكومية والاكتفاء بدور المعارضة أو الدعم البرلماني من خارجها.
التعليقات (0)