بعد تخرّجي في كلية الهندسة ، تعينت في شركة مقاولات كبرى . وحين استلمت أول راتب لي ، قالت أمي: " يا عمر، في نهاية كل شهر، ضع في حسابي في البنك مئتي دينار أردني ". قلت لها مستغربا : " لماذا يا أمي ؟ ". قالت بكل بساطة: " حقّ التربية ". ضحكت يومها ، لكنها لم تضحك .
ومنذ ذلك اليوم ، وفي نهاية كل شهر ، كنت أحوّل لها مئتي دينار، وأهاتفها لأطمئن عليها ، ثم أقول لها مازحا : " أودعت في حسابك اليوم حقّ التربية " . فترد في كل مرة بالعبارة نفسها: " الله يرضى عليك ويرزقك يا ولدي ". ولا تزيد كلمة واحدة .
حوّلت لها المبلغ وأنا أعزب ، وواصلت ذلك بعد أن تزوجت ، وحاصرتني الديون ، وواصلته حين رزقت بابنتي البكر أمينة. وجاء شهر لم يتبقَّ فيه، بعد كل الأعباء الحياتية، سوى ثلاثمئة دينار في حسابي ، لا غير .
كانت زوجتي تقول لي: " أمك تتلقى راتب تقاعد والدك ، رحمه الله، بشقّيه الأردني والفلسطيني ، ويكفيها لسد حاجتها وزيادة ، وتقيم في بيتها معززة مكرمة . ماذا تفعل بالمئتي دينار اللتين تودعهما لها من راتبك؟ ". ثم تضيف مازحة: " حماتي ، أمك حاطة عليك ضريبة شهرية يا عمر؟ ". فأجيبها دائمًا: " أمي طلباتها أوامر" .
ومضت السنوات. خمسة عشر عاما ، لم يتأخر فيها ذلك المبلغ يومًا واحدًا. وقبل شهرين، استغنت الشركة عني بسبب الأوضاع المالية الصعبة التي شهدتها البلاد بعد أحداث عام 2023 في فلسطين. لم أخبر أحدًا بذلك، حتى زوجتي .
في كل صباح ، كنت أرتدي بدلتي ، وأحمل حقيبتي ، وأخرج من البيت في السابعة والنصف ، أبحث عن مقهى أو مطعم شعبي أجلس فيه بعض الوقت ، وأمشي في الأسواق ، ثم أعود إلى سيارتي وأبقى فيها حتى موعد انتهاء الدوام، وبعدها أعود إلى البيت كأنني عائد من عملي .
التعليقات (0)