يشغلني في تعليم الفنون ما يبقى بعد انتهاء الدرس. يتعلّم الطلبة ضبط الخط واللون، أو اختيار زاوية الصورة، ثم يبدأ امتحان آخر: أن يستخدموا ما تعلّموه في قول شيء يخصّهم. تتصل هذه القدرة في القدس بتوفّر مكان يحتضن المحاولة، وتمويل يسمح باستمرارها، وحرية تتيح لأصحابها اختيار موضوعاتهم وعرضها. في هذه المسافة بين امتلاك الأداة والمشاركة بالصوت، تظهر آثار السياسة الثقافية: مَن يتيح فرصة التعلّم، ومَن يحدّد شروطها، وما الذي يستطيع المتعلّم أن يفعله بما تعلّمه؟
إتاحة التعلّم وصناعة الفرصة
يقدّم مركز بيلي للفنون في حي وادي الجوز نفسه بوصفه مركزاً فنياً بلدياً، ويصف "اسكتش" بأنه برنامج سنوي لليافعين في الفنون البصرية والمسرح. وتوضح دائرة المجتمع والشبيبة التابعة لبلدية القدس الإسرائيلية أن ورشه تشمل التصوير والفنون التشكيلية والمسرح، وتُنفّذ داخل المدارس وفي المركز. يوسّع الوصول إلى الطلبة في مدارسهم إمكان المشاركة، ويتيح امتداد البرنامج خلال العام فرصةً لتطوير التجربة، حين ينتظم التدريب وتتواصل المتابعة.
وفي البلدة القديمة، تتيح مؤسسة المعمل للفن المعاصر، وهي مؤسسة أهلية فلسطينية غير ربحية، فرصاً للتعلّم الفني تتصل بورش التصوير وإنتاج الأعمال وعرضها. يلتقي المثالان عند إتاحة ممارسة الفن للشباب، مع اختلاف موقع كل مؤسسة والجهة التي تحدّد أولوياتها. ومن هنا يبرز سؤال يتجاوز وجود الورشة إلى شروط المشاركة فيها: ما كلفتها، وهل يستطيع المتعلّم مواصلة تجربته، وما دوره في اختيار موضوع عمله؟ لا تكفي المعلومات المنشورة التي يستند إليها المقال للمفاضلة بين التجربتين وفق هذه المعايير، لكنها تحدّد ما نحتاج إلى معرفته لفهم الفرصة التي توفّرها كل منهما.
ويقدّم تقرير مركز تطوير المؤسسات الأهلية لعام 2024 مثالاً محدداً على امتداد تجربة التعلّم في المعمل، إذ يذكر أن علاء داية، أحد المشاركين السابقين في ورش المؤسسة، تولّى تعليم التصوير في مدرسة "سيدة البيلار"، وأن بعض الطلبة اختيروا لمتابعة تدريبهم في المعمل. يصف التقرير، الصادر عن جهة داعمة للمشروع، مساراً تنتقل فيه المعرفة من متعلّم أصبح معلّماً إلى طلبة يجدون فرصة لاستكمال تجربتهم. وتكمن أهمية هذا المثال في الصلة التي يبنيها بين الورشة والمدرسة والمؤسسة، بما يفتح أمام التعلّم طريقاً للاستمرار والانتقال إلى آخرين.
تكشف قرارات التمويل عن أولويات العمل الثقافي، من تجهيز المكان إلى توفير شروط استخدامه. يوثّق التقرير نفسه تطوير مرافق مؤسسة المعمل، ومنها غرفة للتحميض والتصوير التقليدي ومرافق سمعية بصرية. وتتيح إتاحة هذه الأدوات بصورة منتظمة للمتعلّم أن يعيد التصوير، ويجرّب الإضاءة، ويراجع اختياراته. تحتاج هذه المحاولات إلى وقت وإشراف؛ لذلك تصبح صيانة المكان وأجور المعلّمين جزءاً من الاستثمار في التعلّم، وتُقاس قيمة التجهيز بما يفتحه من فرص للممارسة المستمرة.
التعليقات (0)