رواية لا تنتظرني صدرت عن دار الشامل للنشر والتوزيع للكاتب علاء غسان نصار، وقد جاءت في 332 صفحة من القطع المتوسط، بغلاف أنيق ولغة منسابة شيقة ليس فيها تكلف. يغلب عليها السرد السهل الذي يربط المكان بالزمان، مع الأبطال والأشخاص الثانويين، بتسلسل الأحداث ليكتمل العمل وتتكون الصورة من كل جوانبها، فهي رواية متراصة ومزدحمة بالمفاجآت، يغلب عليها بعض الحزن وبعض الحنين وبعض الحماقة وبعض الضحك وبعض الحب وبعض الخيبة وبعض الخسارة، كما يغلب عليها التشويق الذي يجعل القارئ لا ينفك عنها حتى تنتهي بنهاية صادمة غير متوقعة.
رواية متماسكة، صادمة حينًا وهادئة حينًا آخر، وهذا ما جعلها قادرة على ملامسة القارئ، كون أحداثها قريبة في الزمن الحاضر ومكانها رام الله، وبين رام الله المدينة ورام الله المخيم تدور أحداثها، كما يدور الناس جميعًا، بيد أن لكل واحد حكايته، فهي تجمع بين الخاص والعام، وتفتح في الذاكرة نوافذ على ماض مضى، ونوازع حاضر يجثم فوق سطوع الأيام، وشذرات أحلام وأوهام، وتبعث بإشارات تفتح أبوابًا أمام بعض المسكوت عنه، لكنها، وإن كانت تشير إليه، لا تقدم معالجات مباشرة له، بل تتركه حاضرًا، وكأن الأشياء الموروثة تظل لصيقة بالناس مثل صنم، مهما تبدلت الأزمان وتغير معها شكل الحياة.
تقترب الرواية من موضوعات شائكة وحساسة، من بينها الانتحار والحب والفقد والألم والاضطرابات النفسية والعلاقات بين الجنسين، وما يتخلل علاقات الناس من تعقيدات وتناقضات واختلافات وانتكاسات وانكسارات، وهي موضوعات لا تنفصل عن حياة الشخصيات، بل تتداخل في تكوينها وتؤثر في مسارات حياتها، فتبدو الشخصيات محكومة بما تحمله من أوجاع، وما تخفيه من رغبات، وما تعجز عن البوح به من مخاوف.
أما العلاقات العاطفية فتظهر في سياق إنساني واجتماعي متداخلة بين التوقعات، والرغبة مع الخوف، والاقتراب مع الابتعاد والعادات والتقاليد. فالعلاقات ليست دائما كما تبدو في ظاهرها، وما يقال فيها ليس بالضرورة ما يضمره أصحابها، وقد تتحول المسافة بين شخصين إلى مساحة واسعة من سوء الفهم والانتظار والخذلان.
وتتجلى أهمية هذه الموضوعات في أن الرواية لا تحصر حكاياتها في أصحابها وحدهم، بل تتركها مفتوحة على محيط أوسع، حيث تتقاطع الحكايات الفردية مع أحوال المجتمع، وتنكشف هشاشة الإنسان حين يواجه وحده ما يتراكم داخله من حيرة وأسئلة ومن شكوك وظنون حتى يبلغ الحقيقة.
ولعل عنوان الرواية "لا تنتظرني" يحمل شيئًا من هذا كله؛ ففيه نبرة وداع، وربما اعتراف بالعجز، أو محاولة لتخفيف وطأة الانتظار عن شخص آخر، لكنه يظل عنوانًا صارخًا وصادمًا، مفتوحًا على أكثر من دلالة، فالانتظار في حياة البشر ليس مرتبطًا بالعودة وحدها، بل بالأمل أيضًا، وبما نعلقه على الآخرين من وعود وتوقعات، وبما نؤجله من قرارات خشية أن نخسر ما تبقى لنا.
التعليقات (0)