بين أغنيتي "ذهب الليل وطلع الفجر" و"ما للقمر ماله"، عاشت أجيال كاملة في مصر والوطن العربي طفولة وصبا وشبابا تفيض بالبهجة والضحكات الرائقة والأمل.
تستدعي الأغنية الأولى ذكريات البراءة وصور الوالدين ودفء العيش بينهما، بينما تستدعي الثانية شقاوة الصبا وسعادة الانفتاح على عالم جديد في الجامعة وما بعدها، لكن الأغنيتين معا تشكلان ملامح جانب صغير من حياة عملاق جمع بين الإبداع الغنائي والموسيقي من جهة، وبين العقل المتقد الذي حول الأسطوانة إلى سلعة يمكن لكل مصري شراؤها بعد أن كانت للقادرين فقط.
بنى المطرب والملحن والممثل والمنتج ورائد صناعة الأسطوانات المصري محمد فوزي عالما من الجمال الموسيقي، وأسس لإمكانات واعدة تضمن استمراره، لكن تحولات سياسية واقتصادية اعترضت طريقه، فانتقلت ملكية مصنعه إلى الدولة، وصعدت في مواجهته شركة منافسة أسسها محمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ، وتقلص إنتاجه السينمائي، وضاقت المساحة المتاحة لصوته ومشروعه، حتى بدا الرجل الذي ملأ الشاشة بالبهجة غريبا داخل عالم كان أحد صانعيه.
لم تكن السنوات الأخيرة في حياة محمد فوزي مشهدا لفنان يجد صعوبة في تطوير أدواته لتتوافق مع زمن جديد، ولكنها مأساة فنان سبق عصره حين جمع الفن بالصناعة، ثم وجد نفسه محاصرا بقرارات سياسية تغيرت بموجبها موازين السوق، ومرض غامض أنهى حياته ببطء وبشكل مؤلم أبكى حتى ألد أعدائه.
وتبدأ الحكاية قبل المصنع والتأميم والمنافسة مع عبد الحليم حافظ، حين اكتشف فوزي أن الموهبة وحدها لا تكفي، وأن على الفنان أن يصنع فرصته بيديه إذا لم يمنحه الآخرون مكانا.
ولد محمد فوزي في محافظة الغربية عام 1918، ونشأ داخل أسرة كبيرة كان والده فيها قارئا للقرآن إلى جانب عمله بالزراعة، فدخل الإيقاع إلى أذنه من التلاوة والابتهالات قبل أن يتعلم قواعد الموسيقى.
التعليقات (0)