لم تكن شاشات الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي مجرد منصات لعرض الأفلام، بل تحولت إلى مساحة لاستحضار مآسي الحروب في لحظة سياسية وإنسانية بالغة القسوة. وقد تنوعت طرق السرد بين الأفلام الوثائقية التي منحت مساحة للشهادات المباشرة، والأفلام الروائية التي استعانت بالرموز لتقديم صورة درامية عن المجتمعات التي تعيش تحت الحصار والتهديد العسكري المستمر.
تجاوزت الأعمال المعروضة لغة الأرقام المتعلقة بأعداد الشهداء والجرحى، لتركز على الآثار النفسية والاجتماعية التي تتركها الاعتداءات في نفوس الناجين. وبرزت فلسطين ولبنان في مقدمة هذه المساحة السينمائية، حيث حاولت الأفلام فتح منافذ للتأمل في معنى الحياة بعد النجاة من الموت، وقدرة الإنسان على استعادة أمانه المفقود وسط دوامة العنف.
في الفيلم الوثائقي اللبناني «حلم صيف آخر»، قدمت المخرجة إيرين بارتولومي رؤية لمدينة بيروت بعد فاجعة انفجار المرفأ عام 2020. الفيلم يستعرض كيف تحول الناجون إلى ضحايا للترويع النفسي المستمر، حيث تلاشت ملامح المدينة الساحرة التي كانت تسكن ذاكرة المخرجة قبل وقوع الكارثة.
اعتمد الفيلم اللبناني على إبراز آثار العنف كمتحدث رسمي عن حجم الضرر، دون الحاجة لعرض مشاهد قصف مباشرة. ومن خلال محادثات هاتفية مع شخصية وهمية، كشف العمل عن الشرخ العميق الذي أحدثه الانفجار في إحساس السكان بالاستقرار، متسائلاً عن كيفية التعافي وسط أنقاض تذكرهم بكل ما فقدوه.
أما فيلم «طبيب أميركي» للمخرجة بوه سي تينغ، فقد سلط الضوء على حرب الإبادة في غزة من زاوية مختلفة تماماً. يتتبع الفيلم ثلاثة أطباء أميركيين من خلفيات متنوعة، جمعتهم مهمة إنقاذ الأرواح في القطاع المحاصر، ليواجهوا بعد عودتهم مسؤولية نقل الحقيقة الصادمة للرأي العام العالمي.
برز في الفيلم الطبيب الفلسطيني-الأميركي ثائر أحمد، والجرّاح مارك بيرلموتر، وفيروز سِدوا، الذين عملوا في ظروف طبية مستحيلة ونقص حاد في الموارد. الفيلم لم يركز فقط على غرف العمليات، بل رصد معركتهم الأخلاقية في مواجهة وسائل الإعلام والدوائر السياسية لإبقاء معاناة غزة حاضرة في النقاش العام.
التعليقات (0)