الخميس 22 أكتوبر 2026 8:46 صباحًا - بتوقيت القدس
لم تعد سياسة الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي تقتصر على توسيع المستوطنات ومصادرة الأراضي، بل تتجه نحو إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية، عبر تقطيع التواصل بين التجمعات، والسيطرة على الطرق والموارد، والتهجير والإحلال، بما يحوّل الضفة الغربية إلى جزر محاصرة مقابل جغرافيا استيطانية متصلة. ويتزامن ذلك مع تداعيات حرب الإبادة والتهجير في غزة ورسم «الخط الأصفر»، ومحاولات فرض ترتيبات للفصل والإدارة السكانية تحت مظلة القرار الأممي ٢٨٠٣، الذي يستوجب مراجعة نقدية فلسطينية له.وبالضفة الغربية، والى جانب الشوارع الإستيطانية برام الله والمدن الأخرى وتدمير بنى المخيمات وارهاب المستوطنين ضد المزارعين، تبرز محافظة طوباس والأغوار الشمالية نموذجاً كمثال غير حصري لهذه السياسة كما في مناطق اخرى، في ظل تقارير عن توجهات إسرائيلية للضم الفعلي، من خلال ما يُعرف بمشروع «الخيط القرمزي»، وشق الطرق العسكرية وعزل الأراضي الزراعية، مستهدفة موقعها الاستراتيجي في الأغوار ومواردها المائية والزراعية. إنها معركة على الأرض والوجود والسيادة، تسعى إلى فرض خريطة سياسية تسبق الإعلان الرسمي عن الضم، وتُفرغ مشروع الدولة الفلسطينية من مضمونه الجغرافي والسيادي.
ولا تنفصل هذه التطورات عن تصاعد نفوذ اليمين القومي والديني الإسرائيلي، واتساع حضور أفكاره في المجتمع، والتصريحات الإسرائيلية بشأن خطط الضم والتهجير والتي كان وزير حربهم يسرائيل كاتس اخر من صرح بها قبل أيام. فالأزمة تتجاوز نتنياهو إلى بنية سياسية وأيديولوجية أوسع، فيما يضيف الدعم السياسي الأميركي له من خلال ترامب بُعداً آخر لتداعيات هذه السياسات على فلسطين والمنطقة. ولذلك لا يجوز تعليق مستقبلنا على نتائج الانتخابات الإسرائيلية أو تبدل الإدارات الأميركية على المدى القصير رغم بدايات التغير في الحزب الديمقراطي والشارع الامريكي، بل على امتلاك عناصر القوة الوطنية وتوظيف القانون الدولي واستثمار اشكال التضامن والتحولات الدولية.أمام هذه المخاطر، يصبح الحوار الوطني الفلسطيني في القاهرة ضرورة وجودية، لا مجرد لقاء فصائلي لإدارة الأنقسام أو تقاسم السلطة. كما أن الضغوط المصرية والمقاربات العربية والدولية المتغيرة تضعنا أمام مسؤولية تحويل الحوار إلى مبادرة وطنية مستقلة تعالج أزمة الشرعية والتمثيل ووحدة القرار.وفي هذا السياق، ينبغي تجاوز أوهام التعويل على ما يسمى «مجلس السلام» لغزة، أو الاعتقاد بأن ترتيبات دولية لإدارة القطاع يمكن أن تشكل بديلاً عن إنهاء الأحتلال واستعادة الوحدة الوطنية. كما أن ترويج تصورات عن إرسال قوات تابعة للسلطة الفلسطينية إلى غزة، بمعزل عن توافق وطني ومرجعية سياسية موحدة، يهدد باختزال القضية في ترتيبات أمنية وإدارية تحدد شروطها أطراف خارجية. فالمطلوب ليس البحث عن دور وظيفي للسلطة في غزة، بل استعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني ضمن استراتيجية تحررية شاملة.ويقتضي ذلك مراجعة صريحة لمسار المرحلة الانتقالية التي نشأت عن اتفاق أوسلو بما عليه، بعدما قوّض الأحتلال أسسها والتزاماتها، وأبقى المؤسسات الفلسطينية ضمن وظائف محدودة، بينما واصل تقويض مقومات الدولة الفلسطينية، بل ووجود شعبنا برمته.إن المطلوب اليوم حوار وطني واسع ومسؤول، لا يقتصر على الفصائل فقط، يفضي إلى برنامج تحرري واضح تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا، مع إصلاح مؤسساتها وتجديدها وتوسيع المشاركة الشعبية والأهلية فيها، باعتبارها جبهة وطنية جامعة وعريضة تستعيد وحدة الشعب والأرض والقضية، وتضع إنهاء الأحتلال الإستعماري بكافة أشكاله في مقدمة أهدافها.ومن هنا تبرز ضرورة الانتقال من إدارة واقع الأحتلال إلى تغييره، ومن انتظار المبادرات الخارجية إلى امتلاك زمام المبادرة الوطنية، عبر اعلان وتجسيد «دولة فلسطين تحت الأحتلال» لمواجهة الأحتلال نفسه، استناداً إلى قرارات الدورات المتعاقبة للمجلس المركزي للمنظمة وإعلان الإستقلال عام ١٩٨٨، والاعترافات الدولية بدولة فلسطين ومكانتها في المنظمات الأممية، والقرارات والآراء الأستشارية ذات الصلة الصادرة عن الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية. على أن يكون ذلك جزءاً من استراتيجية تحررية شاملة، لا صيغة جديدة لإدارة الأحتلال أو إعفائه من مسؤولياته القانونية.كما يتطلب الحوار الوطني الجاري بالقاهرة معالجة الأزمة البنيوية للنظام السياسي، بعيداً عن الاكتفاء بتغيير الأشخاص، وتجديد شرعيات مؤسساته عبر انتخابات رئاسية وتشريعية وللمجلس الوطني، باعتبارها حقاً للشعب مصدر السلطات وأداة لإعادة البناء الديمقراطي، لا استحقاقاً يخضع للتأجيل المتكرر والحسابات السياسية. ولا يجوز تحويل معيقات الأحتلال في القدس وغزة والضفة إلى مبرر دائم لتعطيل الإرادة الشعبية، بل ينبغي اعتبار الانتخابات جزءاً من المواجهة السياسية والتحررية.ولا تنفصل هذه المهمة من الحوار الوطني عن ضرورة البحث والتوافق على اشكال واضحة لحماية الأرض وتعزيز صمود المواطنين، وتطوير المقاومة الشعبية السلمية المنظمة، ومواجهة اعتداءات المستوطنين، ودعم الإقتصاد المقاوم، وحماية الحريات العامة، وترسيخ مبادئ المواطنة والعدالة وسيادة القانون والمساءلة وفصل السلطات.إن الحوار الوطني الذي نحتاجه ليس لإدارة الأزمة أو تجميل الأنقسام وتقاسم مواقع السلطة، بل لاستعادة الإرادة السياسية الوطنية الموحدة حول برنامج للتحرر الوطني والديمقراطية. فبينما يعيد الأحتلال رسم الجغرافيا بالقوة، لا يجوز أن نبقى أسرى خلافاتنا أو انتظار قرارات الآخرين، حتى لا تتحول الجغرافيا التي نفقد السيطرة عليها اليوم إلى حدود سياسية مفروضة علينا غداً.*عضو المجلس الأستشاري لحركة «فتح».
سامر سلامة: أكاديمي وناشط سياسي
المهندس غسان جابر القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية
السفير سون تشن مدير مكتب الصين لدى فلسطين
التعليقات (0)