الخميس 22 أكتوبر 2026 8:48 صباحًا - بتوقيت القدس
في غزة، لا ينتظر المطر انتهاء اجتماعات الفصائل، ولا يستأذن البردُ لجان الحوار كي يدخل خيام النازحين. الشتاء يقترب، والخيام الممزقة لا تصمد، والمباني المتصدعة تهدد ساكنيها، وأطفالٌ يُطلب منهم أن يصمدوا مرة أخرى، وكأن الصمود أصبح بديلاً عن السقف والبطانية والبيت!هنا يجب أن يُطرح السؤال بلا مجاملة: إذا كانت بعض الفصائل الفلسطينية تمتلك القدرة على التأثير في القرار والتفاهمات، فلماذا لا تستخدم هذا التأثير لانتزاع قرار رسمي بإعلان غزة منطقة منكوبة، وإقرار خطة إنقاذ عاجلة قبل أن تتحول أمطار الشتاء إلى كارثة جديدة؟
الأرقام لا تحتاج إلى خطيب كي يشرحها. ففي تقريرها الإنساني المنشور في 19 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أفادت الأمم المتحدة بأن نحو 950 ألف نازح يعيشون في مواقع متوسطة إلى مرتفعة المخاطر من الفيضانات، بينهم أكثر من 400 ألف في مواقع عالية الخطورة. كما أن الإمدادات المتاحة لا تكفي إلا لتقديم مساعدة جزئية لنحو 18% من 294,250 عائلة تحتاج إلى دعم الإيواء خلال موسم الأمطار.هذه ليست أرقاماً لتزيين البيانات، بل إنذار واضح بأن الاستعدادات لا تتناسب مع حجم الكارثة.فماذا تنتظر الفصائل؟ أن تغرق الخيام أولاً، ثم تتبادل بيانات التعزية؟ أن تنهار المباني فوق رؤوس أصحابها، ثم تعقد اجتماعاً لتقييم النتائج؟ أم أن يموت طفل من البرد، فنكتشف فجأة أن الشتاء كان معروفاً منذ أشهر، لكن الاستعداد له تأجل إلى إشعار آخر؟يا سادة، الشتاء ليس مفاجأة سياسية، والأمطار لا تحتاج إلى مفاوضات كي تهطل. المفاجأة الحقيقية أن يصل الفلسطيني إلى هذا الفصل بعد كل ما عاشه، ثم يجد نفسه مضطراً لخوض معركة جديدة مع الماء والبرد والجوع، بينما تتنافس المؤسسات على توصيف الكارثة بدلاً من منعها.تتعدد الفصائل، وتختلف البرامج، وتتباين الحسابات، وهذا حق سياسي لا ينازع فيه أحد. لكن عندما تصبح حياة الناس على المحك، يجب أن تتقدم حماية الإنسان على حسابات المواقع والنفوذ والتمثيل.هنا يُختبر معنى الفصيل المؤثر. ليس بعدد أعضائه، ولا بقدرته على إصدار بيان ناري، ولا بعدد المرات التي يجلس فيها إلى طاولة الحوار؛ بل بقدرته على انتزاع قرار يغيّر واقع الناس.إذا كانت بعض الفصائل تملك القدرة على التأثير في التفاهمات، فلتستخدمها الآن. وإذا كانت لا تستطيع انتزاع قرار لحماية غزة، فلتشرح للناس أين تبدأ قدرتها وأين تنتهي.ليس التمثيل الوطني شيكاً على بياض، ولا حصانة من المساءلة. من يتحدث باسم الشعب عليه أن يشرح ماذا فعل من أجله، ومن يشارك في صناعة القرار عليه أن يتحمل نصيبه من المسؤولية عن نتائجه.وما قيمة مقعد حول الطاولة إذا بقيت الخيام خارج الحسابات؟ وما جدوى الشراكة إذا كان الجميع حاضراً حين تُوزَّع الأدوار، بينما يُترك المواطن وحيداً حين يحين وقت دفع الثمن؟لقد آن الأوان لوقف الخلط بين كثرة المشاركين وتعدد مراكز القرار. لا نريد إقصاء الفصائل الصغيرة، ولا احتكار القرار من الفصائل الكبيرة؛ نريد شراكة حقيقية، تُقاس بقدرة الأطراف على التأثير، وباستعدادها لتحمل المسؤولية، لا بمجرد توقيعها على بيان صيغ قبل الاجتماع أو بعده.المطلوب ليس إطلاق تسمية جديدة على مأساة يعرفها العالم، بل اتخاذ خطوات رسمية وعملية محددة.على الفصائل المؤثرة أن تتبنى مبادرة موحدة تطالب الرئيس والحكومة بإعلان غزة منطقة منكوبة إنسانياً، ضمن إطار قانوني واضح، وإقرار خطة طوارئ شتوية معلنة تتضمن احتياجات الإيواء والتدفئة والملابس والأغطية، وإصلاح شبكات الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار، وتأمين المياه والرعاية الصحية والوقود اللازم للخدمات الأساسية.وعلى الحكومة أن تحدد الجهة المسؤولة عن التنفيذ، وتنشر الاحتياجات والأولويات، وتعلن جدولاً زمنياً للتدخلات، وتتابع وصول المساعدات بشفافية. وعلى الفصائل أن تحمل الملف إلى الأمم المتحدة والدول المانحة، وأن تضغط من أجل إدخال مواد الإيواء والإصلاح الضرورية، وأن تتابع النتائج بالأرقام والمواعيد، لا بالتصريحات.فالإعلان الذي لا تتبعه خطة تنفيذية وتمويل ومسؤوليات محددة يصبح ورقة أخرى في أرشيف الأوراق الفلسطينية.لا نريد إعلاناً ينقذ سمعة السياسيين؛ نريد قراراً ينقذ حياة الفلسطينيين.من حق المواطن أن يعرف من تحرك، ومن امتنع، وما الذي عرقل القرار، ومن يتحمل مسؤولية التقصير. وليس في ذلك انتقاص من أحد؛ بل هو الحد الأدنى من احترام شعب دفع ثمناً لا يجوز أن يستمر بلا نهاية.كفى أن يكون المواطن آخر من يعلم، وأول من يدفع الثمن. كفى أن تُغلق أبواب صناعة القرار أمامه، ثم تُفتح أبواب مطالبته بالصبر والصمود. فالصمود ليس بديلاً عن الإيواء، والخطاب الوطني ليس بطانية، والبيان الفصائلي لا يصلح سقفاً لخيمة.غزة لا تحتاج إلى مزيد من الأبطال أمام الكاميرات، بل إلى قيادة تعرف أن البطولة السياسية الحقيقية هي منع الكارثة، لا البكاء على نتائجها.ولذلك، فإن السؤال ليس إن كانت الفصائل ستجتمع، بل ماذا ستقرر، ومتى سيُنفّذ قرارها، ومن سيُحاسَب إذا بقي حبيس الأدراج؟الشتاء على الأبواب، وغزة لا تملك ترف انتظار اجتماع آخر. فمن يملك التأثير فليستخدمه، ومن يملك القرار فليصدره، ومن يعجز عن الاثنين فليتوقف عن بيع الناس أوهام الشراكة.فحين يغرق الأطفال، لا تنفع كثرة المقاعد حول الطاولة… ولا تُدفئهم البيانات!
سامر سلامة: أكاديمي وناشط سياسي
السفير سون تشن مدير مكتب الصين لدى فلسطين
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
التعليقات (0)