في الذكرى الثالثة لحرب الإبادة على غزة تتكشف ملامح تحول عميق في الوعي السياسي الدولي فلم يعد التعاطف العابر مع الفلسطينيين كافيا لاحتواء الغضب الشعبي بل أخذ يتبلور في صورة انتفاضة عالمية منظمة تتجاوز الشعارات التقليدية وتعيد صياغة العلاقة بين الشعوب وحكوماتها إزاء الاحتلال الإسرائيلي وسياساته فالمشاهد القادمة من غزة لم تعد مجرد أخبار تتناقلها الشاشات وإنما تحولت إلى سؤال أخلاقي وسياسي يلاحق المؤسسات الغربية ويضع خطابها المعلن عن حقوق الإنسان أمام اختبار غير مسبوق.
انطلقت هذه الانتفاضة من الجامعات الغربية إلى شوارع العواصم الكبرى ومن الموانئ التي شهدت احتجاجات ضد شحن الأسلحة إلى إسرائيل إلى ساحات الثقافة والسينما والرياضة وأسهمت فيها تحالفات مثل التحالف العالمي من أجل فلسطين وحملة التضامن مع فلسطين وائتلاف وقف الحرب وحركة المقاطعة بمشاركة شبكات ومنظمات ممتدة عبر عشرات الدول وشهدت لندن حشودا ضخمة تزامنت مع مسيرات في برلين وروما وكيب تاون وسيدني لتؤكد أن القضية الفلسطينية تجاوزت حدود الجغرافيا العربية وأصبحت حاضرة في النقاش العام داخل المجتمعات التي طالما احتكرت حكوماتها تعريف الشرعية ومصادر التهديد.
ولا يمكن فصل هذا الحراك عن الكلفة الإنسانية الهائلة للحرب فقد تجاوزت حصيلة الشهداء المعلنة في غزة أربعة وسبعين ألفا واقترب عدد الجرحى من مائة وخمسة وسبعين ألفا وفق الأرقام الواردة في بيانات وزارة الصحة بالقطاع كما أن استمرار سقوط الضحايا رغم إعلان وقف إطلاق النار كشف هشاشة الترتيبات السياسية وعجزها عن توفير حماية فعلية للمدنيين وبين الركام والنزوح وتدمير البنية الصحية والتعليمية في غزة لم تعد المأساة مجرد ملف إغاثي بل غدت شاهدا يوميا على الفجوة بين القانون الدولي وآليات تنفيذه.
وبرزت المقاطعة الثقافية بوصفها إحدى أدوات الضغط الأكثر تأثيرا بعدما أعلن عاملون في السينما وكتاب وموسيقيون رفضهم التعاون مع مؤسسات إسرائيلية يرون أنها متورطة في تبرير الانتهاكات ضد المدنيين في غزة أو التغطية عليها وظهرت مبادرات من بينها لا موسيقى للإبادة كما واجهت عروض وفعاليات فنية احتجاجات دفعت منظمي بعضها إلى مراجعة مشاركاتهم وهنا تكمن أهمية التحول إذ لم تعد الثقافة مساحة محايدة تمنح الاحتلال فرصة تحسين صورته وإنما أصبحت ساحة مساءلة رمزية للاحتلال الإسرائيلي تكشف حدود الدعاية الرسمية حين تصطدم بمواقف الفنانين والجمهور.
وامتد الضغط إلى الجامعات والمؤسسات البحثية حيث تصاعدت دعوات المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل وسجلت حملات التضامن حالات عديدة لقطع التعاون مع مؤسسات إسرائيلية وشهدت جامعات أوروبية خصوصا في بلجيكا وهولندا وإسبانيا قرارات أو مراجعات لاتفاقيات التعاون والتبادل وبرزت مطالب باستبعاد الجهات المتورطة من برامج بحثية ممولة أوروبيا ولا تقاس أهمية هذه الخطوات بعدد الاتفاقيات وحده بل بما تحدثه من نقاش حول المسؤولية المؤسسية وحدود الفصل بين المعرفة والسياسات التي تدعم الاحتلال.
وفي موازاة ذلك كشفت الاحتجاجات عن تحول في الأجيال الشابة التي باتت تقرأ فلسطين من زاوية العدالة والمساواة ورفض الاستعمار لا من خلال الروايات الجاهزة وقد جعل انتشار الصور والشهادات محاولات حجب الوقائع أقل فاعلية وفتح المجال أمام تحالفات بين الطلاب والنقابات والمنظمات الحقوقية وهو ما يمنح الحراك قدرة على الاستمرار حتى حين تتراجع التغطية أو تتبدل أولويات الحكومات فالقضية لم تعد موسما للاحتجاج بل امتحانا للقيم المعلنة في الديمقراطيات المعاصرة.
التعليقات (0)