لم يتحدث بيب جوارديولا عن فلسطين من بوابة كرة القدم، ولم يحتج إلى استعراض مواقفه أو البحث عن عبارات كبيرة ليشرح ما يريد قوله. في فيديو مصور بالتعاون مع وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا»، اختار مدرب مانشستر سيتي أن يبدأ من الإنسان، من الأطفال الذين يفقدون عائلاتهم تحت الأنقاض، ومن الضحايا الذين تتحول حياتهم إلى أرقام تتكرر في نشرات الأخبار حتى تكاد المأساة تفقد قدرتها على إيقاظ الضمير.
في رسالته، لا تبدو المشكلة في نقص المعلومات عما يعيشه الفلسطينيون، بقدر ما تكمن في قدرة العالم على مشاهدة المأساة والتعايش معها. هنا تحديدًا تكتسب كلمات جوارديولا أهميتها؛ فهو لا يكتفي بالتعبير عن الحزن، بل يحاول كسر حالة الاعتياد التي تجعل صور الدمار والجوع وفقدان الأطفال مشاهد متكررة، تمر أمام الجمهور ثم تختفي وسط زحام الأخبار.
من أرقام الضحايا إلى حكايات البشر
يضع جوارديولا الإنسان في قلب حديثه، رافضًا اختزال الضحايا في أعداد تُضاف إلى حصيلة يومية جديدة. خلف كل رقم عائلة، وطفل كان ينتظر أن يكبر، وأب وأم وأحلام لم تجد فرصة لاكتمالها. إنها محاولة لاستعادة ما تفقده الإحصاءات حين تُعرض منفصلة عن أصحابها: الحياة نفسها.
في غزة، حيث تتوالى أخبار القصف والضحايا والنزوح، يصبح خطر الاعتياد على المأساة جزءًا من المشكلة. فالتكرار قد يجعل الفاجعة أقل حضورًا في وعي المتلقي، حتى عندما تتضاعف آثارها على الأرض. ومن هذه النقطة، تبدو رسالة جوارديولا محاولة لإعادة المشاهد إلى السؤال الأساسي: ماذا يعني أن يكون لكل ضحية عالم كامل دُمّر، لا مجرد رقم جديد في خبر عاجل؟
ولا يحتاج هذا المعنى إلى مبالغة عاطفية؛ فالحياة التي تُسلب من طفل أو أسرة لا تختصرها حصيلة، مهما بلغت دقتها. لذلك يتجاوز حديث المدرب حدود التعاطف المباشر، ليطرح سؤالًا عن الطريقة التي يرى بها العالم الفلسطينيين، وعن قدرة الخطاب الإعلامي على إبقاء الإنسان حاضرًا وسط سيل الأرقام والصور.
التعليقات (0)