أكاديمي وسياسي وكاتب تركي.
حين تحدثنا في الذكرى السنوية الثالثة لطوفان الأقصى عن العصر الجديد الذي فتحه في العالم، قلنا إن أهم ما يميز هذا العصر ليس مجرد التحولات في موازين القوى السياسية والعسكرية. بل إن التحول الحقيقي يتمثل في اهتزاز التراتبيات الأخلاقية التي فُرضت على العالم، وفي تصدّع النظام الذي كان يحتكر حق تحديد من يحق له الحديث باسم حقوق الإنسان، ومن يُعدّ مجرما ومن يُعدّ ضحية.
ولعل إحدى أبرز العلامات على هذا التحول جاءت بعد يومين فقط من تلك الذكرى، حين مُنحت جائزة نوبل للسلام لعام 2026 للحقوقية الجنوب أفريقية نافي بيلاي.
لم أكن يوما أُولي جائزة نوبل للسلام أي قيمة تُذكر. فمنذ نشأتها، نادرا ما كانت اختياراتها تستند فعلا إلى اعتبارات السلام أو القيم الإنسانية الكونية. أما بقية اختياراتها، فقد كانت مشوبة بحسابات سياسية خاصة بالقائمين عليها. غير أن أهمية منح الجائزة لنافي بيلاي تكمن في أنها تؤكد مسارا من التحولات بات يفرض تأثيره حتى على مؤسسة نوبل نفسها.
فقد كانت بيلاي رئيسة لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة التي خلصت إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة.
صحيح أن لجنة نوبل لم تذكر غزة على وجه التحديد في حيثيات منح الجائزة، وإنما بررت اختيارها بإسهامات بيلاي في تعزيز السلام والقانون الدولي. بيد أن هذا الاختيار بالذات يمنح الجائزة دلالة أوسع؛ لأن ما تمثله بيلاي، قبل أن يكون دفاعا عن قضية سياسية بعينها، هو مبدأ وجوب سيادة قانون صاحب الحق، لا قانون صاحب القوة.
التعليقات (0)