تواجه تونس موجة من القلق الشعبي والاحتجاجات الواسعة ضد مشاريع استثمارية أجنبية متخصصة في إنتاج البروتينات الحيوانية، بعدما تحولت المناطق المحيطة بهذه الوحدات الصناعية إلى بؤر توتر بيئي وصحي. ويرى متخصصون أن هذه المشاريع تهدد الأمن المائي والزراعي للبلاد، وسط اتهامات للشركات بممارسة ما يعرف بـ الغسل الأخضر لتضليل الرأي العام حول حقيقة نشاطها الملوث.
انتقدت منظمات حقوقية ونواب في البرلمان التونسي طبيعة هذه الاستثمارات التي تعتمد على تربية الحشرات لإنتاج الأعلاف، معتبرين إياها نموذجاً للتصادم بين المصالح الخارجية والأمن الغذائي الوطني. وأكدت المصادر أن هذه الوحدات الصناعية تستورد التلوث وتصدر الأرباح إلى الأسواق الأوروبية، بينما تترك خلفها دماراً بيئياً يطاول التربة والمياه الجوفية في المناطق الزراعية الخصبة.
تعتمد فكرة هذه المشاريع على استغلال النفايات العضوية لتربية يرقات ذباب الجندي الأسود وتحويلها إلى مسحوق بروتيني، إلا أن الإشكال يكمن في تصنيف هذه الشركات كمصدرة كلياً. وهذا يعني أن كامل الإنتاج يوجه لتطوير قطاعات الدواجن والأسماك في أوروبا، دون أن تجني تونس سوى عائدات مالية ضئيلة وفرص عمل محدودة لا تتناسب مع حجم المخاطر البيئية الناتجة.
حذر الباحث في الاقتصاد الأخضر جميل الحجري من تركز هذه الأنشطة في محافظة نابل التي تعد القطب الزراعي الأول في البلاد لإنتاج الحوامض والخضروات. وأوضح الحجري أن إقامة مصانع تلقي بعصارات النفايات الحيوانية وسط أراضٍ فلاحية يمثل مقامرة اقتصادية كبرى تضحي بالأمن الغذائي المستدام من أجل أرباح تتدفق لجيوب المستثمرين الأجانب فقط.
كشف الملف عن استغلال الشركات الأجنبية لثغرات قانونية وتواطؤ إجرائي لفرض مشاريعها في ظل غياب تشريعات تنظم تربية الحشرات الصناعية في القانون التونسي. ولجأت الشركات المالكة إلى التلاعب بالتصنيف القانوني للحصول على تراخيص تحت مسمى تثمين وتدوير نفايات عضوية غير خطرة، وهو ما يخالف حقيقة نشاطها الفعلي في تصنيع الأعلاف.
سمحت هذه الالتفافات القانونية للمصانع بمزاولة نشاطها خارج المناطق الصناعية المخصصة، مما أدى إلى خرق قوانين التهيئة العمرانية والاستقرار داخل تجمعات سكنية. فعلى سبيل المثال، يقع أحد هذه المصانع على بعد أمتار قليلة من مستشفى مدينة منزل بوزلفة، مما يشكل خطراً مباشراً على صحة المرضى والسكان المحيطين بالمنشأة.
التعليقات (0)