لم تعد السيطرة على العالم تعني احتلال الأرض وحدها أو إخضاع الدول بالقوة العسكرية، بل أصبحت تمتد إلى التحكم في الموارد التي تضمن استمرار الحياة نفسها، الطاقة والمياه والغذاء والبذور والأسمدة وسلاسل الإمداد، فمن يملك مفاتيح هذه الموارد يمتلك قدرة هائلة على التأثير في قرارات الدول، وإضعاف مجتمعاتها، وتضييق هوامش حركتها، بل ودفع سكانها إلى خيارات لم يكونوا ليقبلوا بها في الظروف الطبيعية.
ولم تعد الحروب وحدها أداة إخضاع الشعوب؛ فالعقوبات، والتحكم في الأسواق، وتعطيل الإمدادات، واحتكار التقنيات، باتت أدوات قادرة على إحداث آثار قد تتجاوز حدود الدمار العسكري المباشر، وحين تتداخل هذه الأدوات مع الحروب والتجويع والنزوح، يبرز سؤال يتجاوز الصراع على الموارد ذاتها، هل يُعاد تشكيل العالم بالطاقة والغذاء والسلاح فحسب، أم أن هذه الأدوات تسهم أيضًا في إعادة تشكيل المجتمعات ومصائر السكان الذين يعيشون فوق الأرض؟.
تحتل البذور موقعًا بالغ الأهمية في هذه المعادلة، فالبذرة ليست مجرد مادة زراعية، بل هي أساس الأمن الغذائي واستقلال القرار الزراعي، وكلما ازداد اعتماد المزارعين على الشركات التي توفر البذور والأسمدة والمبيدات، تقلصت قدرتهم على التحكم في مدخلات إنتاجهم، وازدادت تبعيتهم لمنظومة تجارية وتقنية لا يملكون مفاتيحها، ولا يعني ذلك أن جميع التقنيات الزراعية تؤدي إلى النتيجة نفسها؛ فالبذور الهجينة، مثلًا، ليست هي تقنيات تقييد الاستخدام الوراثي، لكن منظومة الاحتكار والاعتماد المتبادل قد تجعل المزارع أسيرًا لشراء مدخلات الإنتاج عامًا بعد عام.
ومن هنا تكتسب النقاشات المتعلقة بحفظ البذور المحلية وتداولها، ومنها ما شهدته لبنان، أهمية تتجاوز الجانب الزراعي المباشر، فحماية الأصناف المحلية والمعارف الزراعية المتوارثة ليست حنينًا إلى الماضي، بل دفاع عن القدرة على إنتاج الغذاء في ظروف الأزمات، وعن حق المجتمعات في الاحتفاظ بمواردها الوراثية وعدم تحويلها إلى سوق مغلقة تتحكم فيها الشركات الكبرى.
وتكشف التجارب السابقة حجم المخاطر التي يفرضها تدمير البنية العلمية والزراعية أو إضعافها، فقد تعرضت مؤسسات البحث الزراعي ومجموعات البذور في العراق بعد غزو عام 2003 للتدمير والنهب، كما عانت المؤسسات الزراعية والبحثية في سوريا، ومنها إيكاردا، من تداعيات الحرب والنزوح وتعطل العمل فقد تم تدمير بنك البذور ونهب محتوياته، وفي المقابل، يجسد مخزن سفالبارد العالمي للبذور محاولة لحفظ التنوع الوراثي الزراعي تحسبًا للكوارث والحروب ووسيلة للهيمنة، غير أن تخزين البذور وحده لا يكفي إذا دُمّرت الأراضي، وفُقدت المياه، وتعطلت شبكات الري، وهُجّر المزارعون؛ فالبذور لا تطعم الناس ما لم تتوافر الظروف التي تسمح بزراعتها وحصادها.
وتتصل هذه المسألة بالطاقة اتصالًا مباشرًا، فالزراعة الحديثة تعتمد على الوقود والكهرباء والأسمدة والنقل والتخزين، كما تعتمد إمدادات الغذاء على الممرات البحرية وسلاسل التوريد، ولذلك لا يمكن النظر إلى مضيق هرمز بوصفه ممرًا لنقل النفط والغاز فحسب؛ فأي اضطراب فيه يمكن أن يرفع تكاليف الطاقة والنقل والإنتاج، وينعكس على أسعار الغذاء والأسمدة في دول بعيدة جغرافيًا عن الخليج، وهكذا يتحول التحكم في ممر بحري استراتيجي إلى أداة تأثير تتجاوز حدود المنطقة التي يقع فيها.
التعليقات (0)