إن إجراء انتخابات في نظام استعماري يتفكك وسط انتفاضة السكان الأصليين حدثٌ ضئيل الأهمية من منظور التاريخ. فقد تقدّم لنا هذه الانتخابات مؤشرات على مسار التفكك، لكنها لن تغيّر النتيجة النهائية.
في ظل نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، استمر تنظيم الانتخابات، وكانت كل جولة انتخابية تكشف عن انتقال أصوات المستوطنين الأفريكانر نحو مزيد من التطرف. أما الانتخابات في البانتوستانات، أي المعازل المفروضة على السكان الأصليين، فقد عُلّقت خلال السنوات الأخيرة من حكم بريتوريا، تماماً كما يواصل محمود عباس، تعليق الانتخابات في بانتوستان الضفة الغربية، وقد كرر ذلك للمرة التي يصعب إحصاؤها خلال الأيام الأخيرة.
وفي الجزائر الخاضعة للاستعمار الفرنسي، أُلغيت انتخابات البرلمان الفرنسي خلال حرب التحرير الجزائرية. ولأن المستوطنين لم يتمكنوا من التعبير عن مواقفهم السياسية عبر صناديق الاقتراع، اختار كثيرون منهم التعبير عنها من خلال تأسيس منظمة الجيش السري الإرهابية (OAS)، التي سعت إلى منع استقلال الجزائر عبر محاولات اغتيال شارل ديغول أو تدبير انقلابات عسكرية في فرنسا نفسها.
وعليه، فإن المسألة المهمة ليست ما إذا كانت الأنظمة الاستعمارية الآخذة في التفكك ستنظم انتخابات أم لا، لأن اتجاه أصوات المستوطنين نحو التطرف معروف سلفاً. إن تصاعد وحشية المستوطنين في لحظة وجودية حرجة بالنسبة إلى الدولة التي أقاموها ليس في الحقيقة سوى عودة إلى الطبيعة الأصلية للمجتمعات الاستيطانية الإحلالية، التي نشأت على أساس القتل والتهجير القسري للسكان الأصليين وتجريدهم من ممتلكاتهم.
ومن خلال هذه العملية العنيفة، يراكم المستوطنون ثرواتهم الخاصة بالاستيلاء على أراضي السكان الأصليين ومواردهم واستغلال قوة عملهم. وهي عملية تراكم رأسمالي إضافية إلى ما تحصل عليه الدولة الاستعمارية الأم في الأنماط الأكثر شيوعاً من الاستعمار الاقتصادي. ولهذا، فإن المجتمع الاستيطاني الإسرائيلي لن يتخلى عن امتيازاته قبل أن يسلك طريق العنف إلى أقصى مداه.
أما المواقف الاستعراضية وعبارات الأسف التي سمعناها خلال السنوات الأخيرة من قادة دوليين إزاء الانزلاق المتزايد للنظام الإسرائيلي نحو التطرف، فلم تكن تعكس سوى جهل بالتاريخ أو تستراً متعمداً على حقيقة المستعمرة الصهيونية.
التعليقات (0)