الكاتب: إبراهيم أبو عواد - كاتب من الأردن
ليس كُلُّ كاتب تُترجَم أعماله إلى لغات أجنبية كاتبًا كبيرًا بالضرورة، وليس كُلُّ رواية تجد طريقها إلى دور النشر الغربية قد اجتازت امتحانَ الأدب بمعاييره الصارمة. الترجمةُ مهما اتَّسعت دائرتها لا تمنح النص شهادةَ تفوق فني، كما أن الاحتفاء النقدي والإعلامي لا يعفي الرواية من التساؤل الذي ينبغي أن يظل حاضرًا في كُلِّ قراءة جادَّة: ماذا أضافت إلى الأدب؟، وما الذي يجعلها جديرة بالبقاء بعد أن تتراجع حرارة القضية التي تتناولها وتخفت الضجة المحيطة بها ويتغير مزاج القراء والناشرين؟.
مِن هُنا يمكن أن نبدأ النقاش حول حضور روايات الكاتبة الفِلَسطينية سحر خليفة ( وُلدت 1941 ) في اللغات الأجنبية، وهو حضور لا يمكن إنكاره، فقد تُرجمت بعض أعمالها إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية وغيرها، وحظيت باهتمام جامعي ونقدي، ونالت بعضُ أعمالها جوائز أدبية. لكن الأمر الذي يستحق التوقف عنده ليس عدد اللغات التي وصلت إليها هذه الروايات، بل طبيعة العوامل التي جعلتها مرغوبة في أسواق ثقافية بِعَيْنها، وما إذا كان الاهتمام بها نابعًا من قيمتها الأدبية وحدها، أمْ أن موضوعاتها السياسية والاجتماعية وهويتها الفِلَسطينية واشتغالها بقضايا المرأة قد أدَّت دورًا حاسمًا في تسويقها، وتقديمها إلى القارئ الغربي.
ليس من الحكمة أن نتعامل معَ الترجمة والجوائز والانتشار الدولي كما لو كانت أحكامًا نهائية في القيمة الأدبية الفنية. المؤسساتُ الثقافية مثل سائر المؤسسات، تختار، وتستبعد، وتُسلِّط الضوءَ على موضوعات مُعيَّنة، وتستجيب لاهتمامات السوق والجامعة والسياسة، فضلًا عن استجابتها للأدب نفسه.
الأدبُ الفِلَسطيني لا يحتاج إلى مجاملة، ولا يستفيد من رفع أعماله فوق المساءلة، بل يحتاج إلى نقد يُميِّز بين قوة التجربة الإنسانية وقوةِ بنائها الفني، ويُفَرِّق بين شرعية القضية وتحويلِ القضية إلى فن حي لا يختزل البشرَ في مواقف وشعارات.
الرواية ليست تقريرًا عن مرحلة تاريخية، ولا مِلَفًّا توثيقيًّا عن الاحتلال، ولا دراسة اجتماعية تُوزَّع فيها الأدوار بين القامع والمقموع، والتقليدي والمتحرر، والمرأة المُضْطَهَدَة والرجلِ المستبد. تستطيع هذه العناصر جميعًا أن تدخل الرواية، لكن دخولها لا يكفي لصنع الأدب. لا بد أن تتغير طبيعتها حين تدخل العالَمَ الروائي، وتصبح أكثر تشابكًا وترابطًا وإدهاشًا.
التعليقات (0)